مثلث ميم : العقل الممتص (3)

مثلث ميم : العقل الممتص (3)

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on telegram

تخيل ان أهداك أحدهم هدية فى صندوق مغلق و طلب منك ألا تفتحه الا بعد مرور عدد معين من الأيام ، كم سينشغل بالك به لمحاولة معرفة ما بداخله ؟

كم مرة ستحاول فتحه دون معرفة هذا الشخص ، لترضي فضولك الدائم ؟

لا شك ان الممنوع مرغوب دائما ، أخبركم سرا ؟ … هذه قاعدة تنطبق على الاطفال ايضا !

و عليكم ان تعلموا ان المنزل هو بمثابة هذه الهدية للطفل الصغير ، عالم ملىء بالمفاجآت و بمواطن الاستكشاف ، بل و البيئة بأكملها و ليس المنزل فقط .

و منع الطفل الدائم من محاولات الاستكشاف لا يفيده ، بل يجعله مشغولا دائما بمحاولة إعادة الاستكشاف بطريقة لا تلفت انتباهكم حتى لا تمنعوه من ذلك .

اذكر فى مرة حين كان عمر حمزة عام تقريبا ، محاولاته الدائمة للضغط على صنبور قارورة الماء ، و اللعب بالماء المنسكب منها على الارض و يبلل ملابسه ، فى البداية كنت أمنعه من ذلك و أحمله بعيدا عن المطبخ بسبب الفوضى التى تعم المكان ، الى ان جاء يوما غفوت غصبا عنى من فرط الارهاق ، لاستيقظ بعد دقائق قليلة و أجد ذلك الكائن الزاحف الصغير قد استغل الفرصة و أشبع رغبته فى اللعب بصنبور الماء و قد ملأ الارض و بلل ملابسه.

لن انسى ابدا نظرته حين كمشته فى هذا الوضع ، نظرة الانتصار ، ابتسامة الانجاز ، ترقب رد فعلى ، فكرت حينها فقط فى مدى سعادته و لم افكر ابدا فى كيفية معاقبته حتى لا يعيدها

اخذت فى تحليل الموقف من منظور آخر ، لماذا أمنعه من الاساس ؟

فالضغط على صنبور الماء يقوى عضلات يده ، و مشاهدته للماء و هو يتشكل على الارض هذا مدخل لمادة العلوم حيث خصائص المواد السائلة ، و لمسه للماء و احساسه بدرجة حرارته هو خبرة حسية جيدة

اذا التصرف الأمثل هنا ليس منعه ، بل تعليمه كيفية الاستخدام الصحيحة !

منذ ذلك الوقت كنت حريصة أن يرانى و انا استخدمها فى ملء الأوعية اثناء الطهى او زجاجات الشرب ، بل كنت امسك بالوعاء و اسمح له هو بالضغط على الصنبور ليملأه ، بالطبع كنت استهلك وقتا أطول لكن تفكيرى فيما يفيد حمزة كان يفوق تفكيرى فى الوقت و الانجاز ، و علينا أحيانا أن نبطىء من وتيرة حياتنا ليستطيع الطفل مواكبتها ، و تستطيع بعض اللحظات الجميلة اللحاق بنا !

و بالفعل – بفضل الله – مع الاستمرار على هذا التصرف ، لم يعد حمزة – 20 شهر الآن – يفتح صنبور الماء دون داعى ، عندما يرانى أحمل وعاءا او زجاجة يسبقنى للقارورة حتى يضغط هو عليها ،ألاحظ تركيزه وقتها على متابعة ارتفاع منسوب الماء فى الوعاء ، و أرى حينها ابتسامته و احساسه بالمسؤلية حيث يساعدنى ، و فخره بإنجازه حيث انه يفعل مثل الكبار .

نفس هذا المبدأ فكرت فى تطبيقه مع كل مواطن الاستكشاف فى المنزل

shutterstock_225248950

الثلاجة مثلا ، صندوق الكنز بالنسبة للطفل ، ففيها خبرات حسية كثيرة حيث رؤية الألوان المختلفة للأطعمة ، و شم رائحتها و تذوقها ، و الاحساس بدرجة برودتها ، و ايضا الاحساس بالأوزان المختلفة ، سأكون شريرة حتما اذا منعته من هذه المتعة !

فقررت عدم منعه منها ، لكن توظيف طاقته الاستكشافية بشكل يفيده ، و فى نفس الوقت اتجنب الضرر بالثلاجة او الكوارث الناتجة عن اللعب بمحتوياتها ،

فأثناء تواجده معى بالمطبخ كنت اطلب منه مثلا ان يفتح الثلاجة بنفسه و يحضر لى مكونات السلطة ، طماطم و خيار و جزر و هكذا ، من ناحية وفرت على نفسى هذه المهمة و أوكلتها له ، و من ناحية أخرى يشعره هذا بالمسؤلية و تنفيذ المهمة المطلوبة منه دون لعب فى باقى المحتويات ، و اشباع رغبته الاستكشافية فى نفس الوقت ، و اصبحت هذه مهمته الدائمة حتى وقتنا الحالى

DSC_1572

ايضا كنت أقوم معه ببعض الانشطة التعليمية ، مثل مطابقة مجسم مع صورة ، حيث يتعين عليه فتح الثلاجة و اختيار الخضروات المناسبة لمطابقتها مع الصورة الموجودة ، و هو نشاط مفيد للتمييز البصرى الهام لمرحلة القراءة فيما بعد .

و ايضا وفرت له اطعمته المفضلة و مشروباته فى الركن السفلى من الثلاجة ، و أصبح هو مسؤلا عن احضار طعامه و شرابه منها حين يجوع او يعطش

و بذلك نجحت – بفضل الله – بربط فكرة فتح الثلاجة مع ضرورة وجود سبب لفتحها ، و لم يعد حمزة يفتحها بدون سبب الآن

فى البداية كان ينسى اغلاقها بعد الاستخدام ، كنت أنبهه الى ذلك ليقوم بغلقها و لم أكن اغلقها بدلا عنه ، و مع التكرار اصبح غلق باب الثلاجة بعد الاستخدام عادة عنده لا ينساها ، لدرجة انه احيانا يحمل منها زجاجة اللبن – الثقيلة بالنسبة له – بكلتا يديه و يحضرها لطاولة الطعام ثم يذهب مرة أخرى لغلق الباب الذى تركه مفتوحا غصبا عنه .

كذلك الحال مع مفتاح النور او مفتاح التكييف ، قمة الاثارة بالنسبة للطفل ان يضغط فى مكان ليرى أثر الضغط فى مكان مختلف تماما ، احيانا كنت أحمل حمزة بنفسى ليستمتع بهذه التجربة المثيرة ، فأراه يضغط على المفتاح ثم ينظر سريعا للمصباح ليراه مضيئا ، ثم يضغط مرة أخرى و ينظر سريعا له ليراه مظلما ، لن أنسى نظرته لى بعدها و المليئة بالدهشة و التعجب !

بعدها ، كان يجب أن أعلمه طريقة الاستخدام الصحيحة ليفهم ان مفاتيح الاضاءة و الكهرباء ليست لعبة ، و انما نحن نستخدمها لغرض هام فى المنزل .

كنت اصطحبه لدخول غرفة ما ، و بدل ان اضغط أنا على مفتاح الاضاءة أحمله هو ليضىء المصباح و يشغل التكييف ، و قبل الخروج من الغرفة كنت أخبره اننا سنخرج الآن فما رأيك أن نطفىء المصباح و التكييف ؟ و أحمله ليضغط علي المفاتيح بنفسه .

مع التكرار ، فهم حمزة المغزى سريعا ، حتى أن يوما خرجت من الغرفة سريعا و نسيت اطفاء المصباح فوجدته ينادينى و يشير لمفتاح الاضاءة ليذكرنى بذلك !

ألم أخبركم سابقا أن عقل الطفل فى هذا السن يمتص كل الخبرات بسهولة ؟ عليكم فقط احسان طرق تعليمه اياها

اذا … تحدثنا فى المقال السابق عن أول سر من أسرار دليل استخدام عقل الطفل و هو مساعدته ان يفعل الاشياء بنفسه ، و ليس فعلها بدلا عنه .

و فى هذا المقال تحدثنا عن ثانى سر و هو تعليمه أن يفعل الاشياء بالطريقة الصحيحة ، بدلا من منعه عنها .

يمكنكم تطبيق هذه المبادىء مع أى مواقف يومية مع الطفل و ليس فقط مع الامثلة التى ذكرتها لكم .

ألقاكم مع سر جديد فى المقال القادم ان شاء الله

مقالات تنموية

بناء سلوك الطفل هو انعكاس لثقافة وادراك الوالدين

10 نصائح من أمهات مُجربات في التعليم المنزلي ، لأربعة أطفال وأكثر

وهذا المقال يقدم مجموعة من النصائح التي جُمعت كنتاج لتجارب أمهات لديهن عدد كبير من الأبناء ، بهدف تقديم أفكار مفيدة للتعليم المنزلي ، مع إتاحة الفرصة للقيام بواجبات المنزل بالموازنة بين المهام بشكل عام

قراءة المزيد

في منزلنا حرب عالمية

استيقظت من نومها متثاقلة متأففة لا تريد القيام من سريرها هذا اليوم ولكن المسؤوليات أجبرتها على ذلك فقامت وهي ناقمة على مسؤولياتها التي كان من ضمنها أولادها الصغار وطلباتهم التي لا تنتهي

قراءة المزيد
×

نقاط المحتوى