مثلث ميم : الثبات البيئي (4)

مثلث ميم : الثبات البيئي (4)

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on telegram

نفترض أنكِ ذهبتِ يوماً إلى منزل صديقة مريضة ، و طلبتْ منكِ إعداد حساء دافىء لها ، و كانت أول مرة تدخلين فيها لمطبخ هذا المنزل ..

أتشعرين بالارتباك قليلا لأنكِ غير معتادة عليه و لا تعرفين أين تجدين ما تحتاجينه لإعداد الحساء؟

هذا الارتباك يزول سريعا حين تتأقلمين مع المطبخ الجديد

لكن ليس هذا هو الحال دائما ، لا سيما مع الاطفال

الطفل يشعر بالارتباك ايضا عند تواجده فى بيئة غير معتاد عليها ، سواء كان التغير فى عناصر هذه البيئة تختلف من حيث المكان او الاشخاص او الروتين الزمنى ، لكنه سيحتاج وقتاً أطول منا نحن الكبار للتأقلم مع هذا التغيير.

لذلك من الهام أن نحافظ على ثبات بيئة الطفل قدر الامكان خاصة فى السنوات الاولى من عمره ، و أهمها الأشهر الاولى .

فمثلا ، النظام المكانى و الذى يقصد به ثبات المكان و ترتيب الاثاث فى غرفة الطفل يعطيه احساس بالأمان و الانتماء ، فهو كلما نظر و وجد نفس الاغراض التى اعتاد عليها يطمئن انه فى مكانه الصحيح .

و مع التقدم فى العمر ، يعطيه هذا الثبات القدرة على تلبية احتياجاته بنفسه كأن يحصل على لعبته المفضلة من مكانها الذى اعتاد وجودها فيه ، و هذا يعزز ثقته بنفسه و بالبيئة حوله و يشجعه أكثر على الاستكشاف .

أذكر اننى اضطررت للسفر و تغيير المنزل حين كان حمزة يبلغ 10 شهور من عمره ، كانت ايام سفرنا الاولى صعبة عليه ، ظل ملاصقا لى طوال الوقت و لم يُبد أى رغبة فى اللعب او الاستكشاف ، ذلك أن هذه البيئة جديدة عليه كليا ، و ان انا من تبقى لديه من بيئته القديمة التى اعتاد عليها ، استغرق الأمر وقتا ليس بقصير حتى اعتاد حمزة علي منزله الجديد .

عنصر آخر من البيئة حول الطفل هو النظام الاجتماعى الذى يقصد به ثبات الاشخاص ، فالطفل – خاصة فى شهوره الأولى – يتعلق فقط بالأشخاص الذين يقدمون له الرعاية و الأمان ، أى الأبوين و افراد الأسرة ، و يشعر بالارتباك و احيانا بالخوف عند تواجده مع اشخاص غرباء ، و هذا طبيعى .. فحتى نحن الكبار نشعر بالارتباك حين نتواجد فى مكان لا نعرف فيه أحد !

و لعلى لا أنسى ابدا حين اجتمعت مع عائلتى يوما فى العيد ، كان حمزة وقتها يبلغ 6 اشهر تقريبا ، و مع تواجد الكثير من الوجوه غير المألوفة بالنسبة له و الاصوات الغريبة دخل فجأة و دون مقدمات فى نوبة غضب و استمر البكاء و الصراخ ما يقرب من النصف ساعة ، لم تفلح اى محاولات لتهدئته الا أخيرا عندما شاهد فيديو كان معتادا عليه فهدأ و نام عميقا بعدها ليتغلب على هذه المؤثرات الجديدة التى كانت فوق طاقته .

و أود أن ألفت انتباه الأمهات ان خوف الطفل من الغرباء حتى سن عامين او عامين و نصف هو أمر طبيعى ولا يدعو للقلق ، حيث يبدأ تطور المهارات الاجتماعية عند الطفل بعد هذا السن ، و نجاحه فى التواصل الاجتماعى حينئذ يعتمد على استقراره النفسى و العاطفى مع أفراد اسرته فى الوقت السابق .

العنصر الثالث فى بيئة الطفل هو النظام الزمنى و هو مانطلق عليه الروتين اليومى للطفل ، فهو حين يشعر بالجوع مع حلول موعد وجبته يجد ان الطعام يأتى فعلا له ، و حين يشعر بالنعاس مع حلول موعد نومه يجد ان اضاءة الغرفة اصبحت خافتة و قد ساد الهدوء ، الروتين يساعد الطفل على بناء توقعاته عن البيئة ، و مع مواكبة هذه التوقعات و تلبية احتياجاته يشعره هذا بالثقة و الاطمئنان لهذه البيئة ، و هذا مهم لتشجيعه على الاستكشاف و التعلم .

اتباع الروتين مع الطفل فى سن مبكر ايضا يفيدنا فى غرس عادات حميدة فى الطفل تبقى معه مدى الحياة ، فمثلا روتين النوم مع حمزة لا يتضمن فقط اطفاء الضوء و هدوء الغرفة ، بل ايضا تنفيض الفراش ثلاثا مثلما علمنا الرسول صلى الله عليه و سلم ، و قول أذكار النوم ، و بفضل الله حمزة الآن يبلغ 22 شهر ، و حين نذهب للنوم يشير للمصباح حتى اطفئه و يغلق باب الغرفة ليعم الظلام و الهدوء ، ثم يشير لفمى ليسمع الاذكار فيما يذهب فى النوم .

يمكنكم اتباع روتين ثابت على مدار اليوم سواء فى وقت الطعام أو وقت اللعب أو وقت الاستحمام و النظافة الشخصية ، سيذهلكم ما يستطيع عقل الطفل أن يتعلمه منكم بسهولة فى هذا السن .

اذا … لقد أطلعتكم فى هذا المقال على ثالث سر من أسرار دليل استخدام عقل الطفل فى سنواته الأولى ، و هو أهمية الحفاظ على ثبات البيئة – المكانية و الاجتماعية و الزمنية – حول الطفل ، لتعزيز ثقته بنفسه و قدراته .

لا تنسوا الاطلاع على المقالات السابقة لمعرفة باقى الأسرار ..

ألقاكم فى المقال القادم مع فائدة جديدة ان شاء الله

مقالات تنموية

بناء سلوك الطفل هو انعكاس لثقافة وادراك الوالدين

10 نصائح من أمهات مُجربات في التعليم المنزلي ، لأربعة أطفال وأكثر

وهذا المقال يقدم مجموعة من النصائح التي جُمعت كنتاج لتجارب أمهات لديهن عدد كبير من الأبناء ، بهدف تقديم أفكار مفيدة للتعليم المنزلي ، مع إتاحة الفرصة للقيام بواجبات المنزل بالموازنة بين المهام بشكل عام

قراءة المزيد

في منزلنا حرب عالمية

استيقظت من نومها متثاقلة متأففة لا تريد القيام من سريرها هذا اليوم ولكن المسؤوليات أجبرتها على ذلك فقامت وهي ناقمة على مسؤولياتها التي كان من ضمنها أولادها الصغار وطلباتهم التي لا تنتهي

قراءة المزيد
×

نقاط المحتوى