في هذا المقال الأول سوف أتكلم بشكل أساسي عن منهج وولدورف كيف تم تطويره في المدارس. وفي المقالات اللاحقة سوف ألقي الضوء على الجوانب المختلفة لمنهج وولدورف من وجهة نظر معلم منزلي.

بالرغم من وجود أكثر من مئة مدرسة وحضانة تتبع منهج وولدورف في الولايات المتحدة وأكثر من ألف في بلدان أخرى مثل المكسيك ولاتفيا وفرنسا وألمانيا والهند ومصر)، إلا أن التعليم بطريقة وولدورف ليس مشهورا. ومن بين كل المتعلمين منزليا, يكون المتعلمون وفقا لأسلوب وولدورف غير مرئيين تقريبا! وأملي أن أعالج عدم التوازن هذا وأن أساعد في التعريف بإحدى طرق التعليم التي ربما تفيد الآخرين في تعليم أبنائهم.

وفيما يلي توضيح لبعض سمات منهج وولدورف.

منذ الميلاد وحتى سن السابعة يعيش الأطفال داخل أجسادهم بشكل أكبر, ويجب أن يتاح لهم استكشاف عاملهم المحيط. وبالرغم من أن الأطفال الصغار كثيرو الحركة والنشاط, إلا أنه أمر صحي وهام لهم ، يقوم الآباء بتنظيم وقت الطفل بإيقاعات متوازنة، متنقلين بين أوقات نشاطة وأوقات هدوئه : اللعب خارج المنزل, يتبعه وقت هادئ لقراءة القصص, ثم تتبعه وجبة ثم لعب إبداعي ..الخ.

يتعلم الأطفال الصغار بشكل أفضل عن طريق المحاكاة, ومن المهم بالنسبة للطفل أن يحاط بقدوة من الكبار الذين يقومون بأعمال هامة كي يقوم بتقليدها ، مثلا : يجب تشجيع الطفل على المشاركة عندما تقوم والدته بترتيب المنزل والحديقة ، كما أنه يجب أن يكون هناك الكثير من الوقت للعب الإبداعي. الألعاب البسيطة مثل المكعبات الخشبية وصناديق الرمل وبعض الأواني القليلة من المطبخ هي الأفضل, حيث أنها توفر مجالا كبيرا لخيال الطفل ليتمدد وينمو. ولا يكون هناك أي نوع من التعليم التقليدي خلال هذه الوقت.

أما من سن السابعة وحتى الـرابعة عشرة – سنوات المدرسة – فإن الأطفال يعيشون أكثر داخل مشاعرهم. هذا لايعني أن الأطفال لا “يشعرون” قبل هذا السن, ولكنهم خلال هذه الفترة يتعلمون بشكل أفضل من خلال أسلوب فني وإبداعي يحرك مشاعرهم. فالاستماع إلى الأساطير والحكايات القديمة التي تنتمي الثقافات المختلفة ، ومغامرات الأبطال والمستشكفين وكفاح الرجال والنساء على مر التاريخ يؤثر تأثيرا عميقا في مشاعر الطفل, كما يتم من خلاله إرساء قاعدة أخلاقية يبنى عليها تعليمهم ، وباستخدام أسلوب فني مع المواد – مثل الرسم والتلوين والنحت والتمثيل, الخ – يساعد المعلم الطفل على إطلاق مهاراته الفنية كما يعمق تجربة الطفل ومشاعره تجاه مايتعلمه. ويقوم كل طفل بصناعة “كتاب جميل” لكل موضوع يدرسه, وهو بمثابة تسجيل لكل التجارب والمقالات والقصائد والرسوم, يقوم الطفل بصنعه كجزء من فهم الموضوع الذي يدرسه. ومن خلال صنع هذه الكتب الجميلة وخلق الإرادة لدى الطفل ليستخدم أفضل خط وأن يعمل بحرص واهتمام, يجد الطفل نفسه شخصا مبدعا قادرا على العمل بجد وصنع أشياء جميلة ، وهذا يبدد بدوره الكلام غير الصحيح عن أن بعض الناس فقط هم من لديهم ميولا فنية ، فكلنا لديه ميول فنية ، وهذا جزء من كوننا بشر.

ربما يكون لدى البعض منا مواهب خاصة فيكون “فنانا”, ولكن إذا كانت تربيتنا وتعليمنا يسمحان بذلك, فكلنا يمكننا صنع أشياء جميلة.

وخلال هذه السنوات وخلال سنوات المدرسة الثانوية, يتم تدريس موضوعات المنهج في فترات دراسية أساسية تتراوح بين ٣-٦ أشهر. ويتم تخصيص أول ساعتين في اليوم لدراسة موضوع قيد الدراسة ولكن بدراسة متعمقة: وهذا وقت صنع الكتب الجميلة – التي تسمى أيضا كتب الدرس الأساسية. وهذا مماثل لأسلوب دراسة الوحدات الذي يفضله الكثير من المعلمين المنزليين.

يتم اتباع منهج محدد من السنة الأولى وحتى الثانية عشرة. ويلبي المنهج احتياجات نمو وتطور الطفل حيث يتم بناؤه على أساس دراسة متأنية لكيفية تغير وتطور الأطفال ، على سبيل المثال في منهج الصف الثالث: حيث يحدث تغيير عند الطفل في سن التاسعة وهو شعور متنامي بالانفصال عن الوالدين. وتظهر على السطح مسائل مثل السلطة والصح والخطأ والذاتية.

في مدارس وولدورف, يخاطب منهج البناء والزراعة في السنة الثالثة التجارب الداخلية للطفل الذي “يبني ذاته”. كما أن دراسة قصص العهد القديم خلال السنة الثالثة مع أفكارها التي تتعلق بالصح والخطأ وعلاقة الإنسان بالله تسير في نفس السياق (حتى ولو بطيقة غير مباشرة).

ومرة أخرى, في السنوات التالية, يمكن أن نرى الطريقة الرائعة التي يعكس بها منهج وولدورف الحقيقة الداخلية لتطور الطفل: ففي سن الثانية عشرة يصبح تفكير الأطفال أكثر واقعية ومنطقية, ويفضلون الجدال بألفاظ وكلمات واضحة. وهل هناك أفضل في هذا الوقت من دراسة الحضارة الرومانية التي تعتبر أكثر الحضارات واقعية؟ وأي تعبير فني أفضل من تعلم الرسم باستخدام الفحم, والعمل بالأبيض والأسود والضوء والظل – والتعرف على ظلال اللون الرمادي؟

وتستمر الدراسة بهذا الشكل  خلال سنوات المرحلة الثانوية. وبالرغم من أن الطلاب يبدؤون باستخدام كتب دراسية في هذه المرحلة, إلا أنهم لا زالوا يصنعون كتبهم الجميلة. وكثير من الطلاب الذين درسوا بأسلوب وولدورف يستخدمون الكتب التي صنعوها خلال المرحلة الثانوية كمراجع عندما يلتحقون بالجامعات.

وتستمر قدرة المنهج الرائعة على تلبية احتياجات الطفل ، فقد يكون أمرا ذا مغزى أن يدرس الشاب الذي يبلغ من العمر ١٦ عاما , والذي يكافح مع أسئلة من نوع “من أنا؟” و “ما هي غاية وجودي في هذا العالم؟”, أن يدرس قصة هاملت أو قصة الكأس المقدسة من القرون الوسطى, وهي قصة بطل متخبط لا يعلم حتى ما هي الأسئلة التي يجب أن يطرحها.

وعند بدء المرحلة الثانوية, يتوقع أن يمارس الطلاب قدراتهم الفكرية الكاملة, ويصبح العمل أكثر جدية. يستمر الأسلوب الفني ويكون هناك جهد حقيقي للحفاظ على التوازن في البرنامج التعليمي للطالب بأهدافه الخاصة التي تخلق أفراداً متعلمين ومثقفين ولديهم القدرة على التفكير بشكل مستقل والقيام بدورهم في مجالات مختلفة كأشخاص بالغين.

كما تشمل السمات المميزة لأسلوب وولدورف :

  • أسلوب نهضوي للتعلم: تعليم فني حر حقيقي حيث يدرس الأطفال كل المواد ولا يعملون فقط على المواد التي يتميزون فيها.
  • يسبق النشاط دائما العمل الرئيسي. فعلى سبيل المثال, يتعلم الأطفال الكتابة أولا ثم نسخ الحروف ثم الكلمات في كتب الدروس. ثم تأتي القراءة بعد الكتابة, ويستخدم ما كتبه الطفل كنص يقوم بقراءته.
  • كما أن أسلوب التعلم شمولي – الفنون والعلوم الإنسانية والعلوم تتداخل مع بعضها البعض, ولا تعتبر مجالات منفصلة عن تجارب الحياة.
  • ويتم التركيز خلال سنوات الدراسة على القيم الأخلاقية كالصدق والجمال والأخلاق الحسنة. ولا يتم تقديمها للطفل كمواعظ, ولكن الطفل يعايشها في محيطه, من خلال الاهتمام بهذه القيم داخل الفصل والمدرسة, وفي سلوكيات الكبار من حوله وفي محتوى الدروس. وتساعد القصص الخيالية والأساطير التي تنتمي لثقافات مختلفة وحكايات الأبطال والصالحين في وضع أساس أخلاقي للأطفال, كما يساعد في هذا أيضا احترام المناسبات الدينية والاحتفال بها خلال العام.
  • وتعتبر الوسائط الالكترونية مثل التليفزيون وأجهزة الكمبيوتر – وخاصة ألعاب الفيديو – ضارة بالتطور الصحي للأطفال, وبخاصة الدارجين. فالأطفال يحتاجون للتعلم من أشخاص آخرين حيث أن “التعلم” يتضمن أكثر بكثير من مجرد تمرير المعلومات ، وعلى مر السنين لاحظ المعلمون الذين يستخدمون أسلوب وولدورف والآباء أيضا التأثير السلبي لتلك الآلات على الأطفال. ولا يستخدم التليفزيون وأجهزة الفيديو وأجهزة الكمبيوتر خلال المراحل الابتدائية والإعدادية لمدارس وولدورف. ويتم استخدام أجهزة الكمبيوتر بشكل معتدل خلال المرحلة الثانوية.

تعليم وولدروف لا يعادي التثقيف. ولكنه ضد التثقيف المبكر. فتعليم وولدروف في جوهره يهدف لأن يكون علاجي وهدفه دعم التطور الصحي والمتوازن للأفراد. من المعروف في دوائر المتعلمين بأسلوب وولدورف أن التثقيف المبكر يمكن أن يستنزف ويستنفذ عقل الطفل, وأن التداخل المعروف بين علامتي “موهوب” و “اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه” لم يأتي مصادفة. وبتجنب التثقيف المبكر وإتاحة الوقت والفرصة لأبنائنا كي يطوروا مخيلاتهم ويختبروا الحياة وفقا لوتيرتهم الخاصة, نستطيع أن نتيح لهم أيضا تطوير المفاهيم البدنية والعاطفية كي ينطلقوا خلال تعليمهم الأكاديمي. ويسعى وولدورف لتجنب سيناريو الزهور والنباتات التي تنبت داخل البيوت الدافئة والتي تنمو مبكرا, ولكنها تفتقر إلى القوة والمواد اللازمة لنموها وازدهارها مع الوقت.

وبذلك, بينما يعمل المتعلمون المنزليون وفق أسلوب وولدروف, يمكننا على سبيل المثال استخدام الألوان المائية مع أطفالنا الصغار والسماح لهم باستخدام اللون الأزرق ثم الأحمر ثم الأصفر, ثم ببطء وبشكل تأملي يمكنهم اختبار تداخل هذه الألوان معا. وسوف ندرك أن أطفالنا بذلك يضعون أساسا لفهم ظاهرة الألوان التي سوف يدرسونها في الفيزياء في سن الثانية أو الثالثة عشرة. ومن خلال الغناء والتصفيق واللعب بدمى الأصابع مع أطفالنا الصغار, ومن خلال أيضا القراءة لهم وسرد الحكايات لهم, فإننا نكون لديهم قاعدة للتعامل بسهولة مع اللغة التي سوف تجعل القراءة وبالأخص الكتابة أكثر سهولة. وعن طريق مساعدة الطفل على تدريب أذنيه على اللغة, ومن خلال جعله يستوعب الفروق الدقيقة الخاصة بلغتنا ويمكن تجنب الكثير من المتاعب اللاحقة المتعلقة بالصوتيات والقواعد النحوية.

أما بالنسبة للمعلمين المنزليين فاستخدام أسلوب وولدورف يعني أسلوبا مريحا وخفيفا خلال السنوات الأولى. يتبع رايموند ودوروثي مور أسلوبا يعرفه مستخدمو أسلوب وولدورف: بيئة آمنة وثرية ذات روتين معين, حيث يشارك الأطفال في أعمال المنزل, كما يتم تجنب التليفزيون وأجهزة الكمبيوتر والوسائط الإلكترونية الأخرى. أضف إلى ذلك بعض الألعاب البسيطة والكثير من الوقت خارج المنزل والغناء وسرد الحكايات, فيكون لديك حضانة خاصة بالمنزل تعمل بأسلوب وولدورف.

وعندما يصبح أطفالنا أكبر سنا, يمكن لمستخدمي أسلوب وولدورف تعديل المنهج وأسلوب الدرس الأساسي ليناسب عائلاتهم. والأسلوب الذي أتبناه هو استخدام أحد المناهج كمرجع, ثم تكون أكثر انفتاحا بحيث تقتحم مناطق جديدة حسبما تملي عليك اهتمامات طفلك. ولذلك قضت عائلتنا الكثير من الوقت في استكشاف الفضاء وعلم الحفريات, وهي موضوعات ليست موجودة في مدارس وولدورف الإبتدائية.

وسوف أقوم بتوضيح المزيد من جوانب التعليم بأسلوب وولدورف في المقالات القادمة, كما سأسلط الضوء على كيفية استخدامه بالمنزل. فقد عملت باستخدام أسلوب وولدورف لمدة ٢٠ عاما: كمعلمة, وكعاملة شابة, وكمحاضرة للآباء والأمهات, وكأم تعلم منزليا. وقد ذهبت لمدرسة وولدورف من سن الرابعة حتى الثامنة عشرة. وأعتقد أنه أسلوب جميل وعميق للتعليم, وهو أسلوب يعتز بالطفولة ويثريها.

An Introduction to Waldorf Homeschoolingv

التعليقات

تعليقات