خلق الله الإنسان وكرَّمه، ومن أهم ما خصَّه به: العقل والعلم، فلم يُعطِ مثلهما لغيره من الدواب والكائنات حتى إنَّ الملائكة لما قالت:

 { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

ثم أراهم الله عز وجل ما خصّه به عليهم…

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ

فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} [البقرة: 31 – 33].

فكأنَّه سبحانه أثبت فضله عليهم بما آتاه من علم دونهم، والله أعلم.

وجعل الله عز وجل العلم ميراث الأنبياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ العلماء هم ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنَّما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر”.

ولكن هل العلم محمودٌ دائماً؟ وهل كل عالمٍ محمودٌ كذلك؟

العلم النافع:

لقد ذكر الله في كتابه العلم تارةً في مقام المدح وهو العلم النافع، وذكر العلم تارةً في مقام الذم وهو العلم الذي لا ينفع…

فأمَّا الأول فمثل قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]

 وقوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].

وأمَّا العلم الذي ذكره على جهة الذم فمنه قوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102].

وعلى هذا جاءت السُّنة بتقسيم العلم إلى نافع وغير نافع؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أسألك علما نافعا”)، وقال: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع”.

فما هو العلم النافع؟

العلم النافع هو العلم الذي يبلّغ صاحبه رضا الله وجنته؛ فهذه هي المنفعة الحقيقية، وهي التي لا ينالها إلا المتقون، الشاكرون، المخلصون، الصابرون… ومن ثَم فالعلم النافع هو العلم الذي يهدي إلى خشية الله سبحانه، وتقواه، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]؛ فالمقصود من العلم: أثُره والانتفاعُ به، وبهذا فضَّل الله العلم والعلماء.

هذا في مقابل العلم الذي يضر المرء في دينه كالذي يدعوه للشرك والتعلق بغير الله مثل علم السحر، أو الذي يلقي في قلبه الشكوك والوساوس ولا يجعل له ثقة في شيء أصلا ولو كان من البدهيات كالفلسفة والتعمق في المعقولات وإدراك كنه حقائق الأشياء كما يقولون، أو مثل علم الكلام الذي يُضعف مهابة الله في القلب، أو ينحرف بالفطرة عن ابتغاء العلم للعمل إلى إطالة الجدل ونسيان العمل وقسوة القلب.

وكذلك العلم الذي يشغل العبد بدنياه عن دينه … كالتعمق في علوم الدنيا والانشغال بها لتحصيل العلو في الأرض .. كمن قال فيهم جل شأنه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7].

وفي الحديث: “إنَّ الله يبغض كل عالم بالدنيا جاهل بالآخرة”.

ومما لا شك فيه أن الإلمام ببعض علوم الدنيا لتيسير الحياة وللمساعدة على تحقيق الغاية من الخلق أمرٌ محمودٌ، بل قد يكون من العلم النافع بشكلٍ غير مباشر ولكن بشرط ألا يشغلنا عن الغاية التي خلقنا الله لها.

إعداد : فريــق ابن خلدون

التعليقات

تعليقات