تحدثنا فى المقالين السابقين عن حاستي البصر و السمع ، و موعدنا اليوم للتحدث عن باقى الحواس ، لكن دعونى أولا اوضح لكم فرقا هاما بين الاحساس و بين الادراك الحسي .

الاحساس هو ان تستقبل الحاسة مؤثرا ما و ترسله الى المخ ، بينما الادراك الحسى هو القدرة على تحليل و ترجمة هذا المؤثر لإدراك معلومة او خبرة ما .

عن طريق حاسة البصر مثلا نستقبل صورة و أبعاد الاجسام التى امامنا ، لكن ادراكنا الحسى البصرى هو الذى يمكننا من تحليل الرسالة و إدراك اختلاف الأحجام و الألوان ، فنتعلم ان هذا كبير و هذا صغير ، هذا مربع و هذا دائرى ، و هكذا.

عن طريق حاسة السمع نستقبل الأصوات ، لكن ادراكنا الحسى السمعى يمكننا من مقارنتها و مطابقتها او ترتيبها حسب علو نغمتها .

اذاً .. نحن لا نحرص فقط على توفير مؤثرات حسية للطفل و حسب ، بل نحرص ايضا على دعم الادراك الحسى عنده ، أى ان يستخدم الطفل حواسه فى التعلم و المقارنة و التحليل و الاسنتاج ، مما يدعم العملية التعليمية حاليا و فى المستقبل.

و بما أننا نتحدث اليوم عن حاسة اللمس ، فيمكن ان تتمثل المؤثرات الحسية التى يمكن ان نوفرها للطفل فى الآتى :

  • ملمس مختلف :

يمكننا توفير انواع متعددة من الأقمشة ذات الملمس المختلف مثل ” القطن ، الصوف ، الحرير ، الجلد … ” ، ليسكشفهم الطفل بأصابعه ، أعلم أما قامت بجمعهم فى كتاب بشكل جذاب و كان مثيرا جدا للطفل ، و فى سن متقدمة يستطيع الطفل ان يقارن و يطابق الملمس المتماثل بعينين مغمضتين و ان يرتب الملمس من الانعم الى الأخشن و هكذا ، و هى انشطة اساسية و مشهور جدا فى فصول منتسورى .

لا يقتصر اختلاف الملمس على الناعم و الخشن فقط بالمناسبة ، هناك انواع اخرى يمكن توفيرها مثل ” الأملس ، المشعر ، المحبب ، الرملى ، المتعرج ، اللزج … ” ، الاحتمالات عديدة و كلها مثيرة بالتأكيد للاستكشاف.

  • حرارة مختلفة :

فالادراك الحسى اللمسى يمكننا من ادراك اختلاف درجات الحرارة و البرودة ، و هناك اداة مخصوصة لذلك فى فصول منتسورى مثل ألواح اللمس الحرارية او زجاجات الحرارة ، و التى يستطيع الطفل مطابقتها بعينين مغمضتين طبقا لدرجة حرارتها .

كنت أحرص ان أقدم لحمزة اجسام ذات درجات حرارة مختلفة كلما توفر لدى و أصفها له ، مكرونة مسلوقة دافئة ، ثلج بارد ، و اخبره هذا ساخن ، هذا دافىء ، هذا بارد ، و بعمر العامين كان يخبرنى هو بشعوره بالحرارة عند لمسه اى جسم ليس بحرارة الغرفة العادية .

  • وزن مختلف :

هذا يعتمد على النشاط العضلى بمساعدة حاسة اللمس ، فبدون ان نمسك بالاشياء و نرفعها ضد الجاذبية لن نحس بوزنها ، و فى فصول منتسورى تتوفر ألواح الوزن كأداة تعليمية يطابق الطفل الاوزان المتماثلة بعينين مغمضين للاعتماد على الادراك الحسى اللمسى فقط دون الاستعانة بالبصر .

كنت أحرص على اثارة انتباه حمزة دائما عند حمله لاشياء ثقيلة مثل زجاجة الماء او اللبن الممتلئة و اقول له هذا ثقيل ، كنت أراه يبذل مجهودا مضاعفا لحملها و لم أكن امنعه من ذلك او ان احملها بدلا عنه ، طالما لم يطلب مساعدتى اتركه ليختبر القوة المطلوبة لحملها ، و فى المقابل حين تكون شبه فارغة يحملها بسهولة و اخبره ان هذا خفيف .

  • أخرى :

ادراك اختلاف درجة مرونة او صلابة المواد ، او اختلاف ضغط الهواء ، كلها تحتاج ايضا للنشاط العضلى المصاحب للمس ، يمكن تقديم انشطة تصنيف ليقوم الطفل بتصنيف الاشياء الى ” ليّن ، صلب ” أو ” مرن ، جامد ” … و هكذا

و من التمارين الهامة للادراك الحسى اللمسى ايضا ما نسميه ” الحقيبة الغامضة “ ، حيث نستخدم حقيبة معتمة أو صندوق نضع بداخله عدة مجسمات مألوفة للطفل مسبقا ، و على الطفل ان يغمض عينه و يدخل يده ليعرف المجسم عن طريق ادراكه الحسى اللمسى فقط ، هذا النشاط ممتع اذا كان هناك مجموعة من الاطفال يتبادلون الادوار ، او مع افراد الاسرة .

تعد حاسة اللمس ذات أهمية خاصة فى التعليم بنظام منتسورى خاصة فى السن الصغير – حتى 6 سنوات – حيث يعتمد المنهج على استخدام أدوات تعليمية لتحويل الافكار المجردة الى واقع ملموس يكون اسهل على الطفل فهمه و استيعابه ، و هذا ما أدى الى نبوغ الاطفال فى هذه البيئة التعليمية المتوافقة مع تطورهم و مهاراتهم العقلية فى هذا السن .

حرصت منذ الاشهر الاولى لحمزة على توفير مؤثرات حسية لمسية مختلفة ، كنت أحشو شرابا قطنيا نظيفا بمواد تختلف فى الملمس عند الضغط عليها مثل الأرز و الحمص و القطن و الاكياس البلاستيكية ، أفصل بين كل مادة و الأخرى برباط مطاطى ، ليستكشف حمزة الملمس المختلف فى كل طبقة من طبقات الشراب.

ألواح اللمس ايضا كانت مثيرة لحمزة ، حيث كنت ألصق على كل وجه من اللوح نوعين متضادين من الملمس ، ناعم و خشن ، أملس و محبب ، و أعلم حمزة أن يلمسهم بأطراف اصابعه برفق ، و بعد بلوغه عام و نصف بدأت بصناعة اداة محاكية لألواح اللمس المستخدمة فى فصول منتسورى فاستخدمت قطعة خشبية مصنفرة ملساء و لصقت على جزء منها ورق صنفرة خشن و قدمت النشاط بنفس طريقة تقديمه فى فصول منتسورى و بفضل الله حصلت على استجابة جيدة ، ببلوغ العامين يستطيع حمزة اخبارى بنوع الملمس عندما يلمس اى شىء فى المنزل.

الكتب اللمسية ايضا كانت أداة رائعة ، و ما زال حمزة يفتحها و يتفاعل معها من حين لآخر ، فمع كلماتها البسيطة و صورها الجذابة و قطع الملمس المختلف بداخلها كانت اضافة ممتازة بالتأكيد لمكتبة حمزة .

و من الانشطة المفيدة و الممتعة ايضا للطفل اللعب الحر و الابداعى بمواد مثل ” الماء ، الأرز ، الرمل ، العجين … ” ، تلك التجارب الحسية المثيرة التى نستمتع بها نحن الكبار ايضا ! ، يمكن ان يقضى الطفل معها اوقاتا طويلة دون ملل ، نادرا ما كان حمزة يغادر هذه الانشطة من نفسه ، بل كنت انا الذى اعرض عليه تغيير النشاط عند ضرورة القيام بمهام اخرى .

حاستى الشم و التذوق :

بعد العام الاول للطفل تكون حاسة الشم و التذوق عنده مثل الشخص البالغ تماما ، يستطيع ان يدرك الفرق بين الطعم المالح و المسكر ، ينفر من الرائحة الكريهة و ينجذب للرائحة الجميلة ، لم أكن اخطط لأنشطة خاصة بهذه الحواس بعينها ، لكنى كنت احرص كلما سمحت لى الفرصة ان اثير انتباه حمزة لهذه الحواس ، فأثناء تواجده معى فى المطبخ كنت اعرض عليه ان يشم الاطعمة و التوابل المختلفة و ان يتذوقها ، حتى اصبحت هذه هواية مفضلة عنده ، اى طعام جديد عليه يشمه و يعرضه علىّ لأشمه ايضا ، ثم يتذوقه بحذر بطرف لسانه ليخبرنى ما اذا كان اعجبه او لا ، أى ان المهم فى هذا السن هو ان ينتبه و يدرك الطفل امتلاكه لهذه الحواس و هذه القدرات و يختبرها بنفسه ، و فى فصول منتسورى هناك ادوات خاصة بهذه الحواس حيث يقوم الطفل بمطابقة الطعم او الرائحة المتماثلة.

فى النهاية ، أود فقط تذكيركم ان التعليم الحسى مهم جدا فى السنوات المبكرة من سن الطفل و التى يهملها العديد من الآباء للأسف ، فله تأثير كبير على بنية مخ الطفل و تطور مهاراته العقلية .

بهذا تنتهى رحلتنا مع التعليم الحسى ، لكن رحلتنا مع التعليم المبكر و المنزلى ما زالت مستمرة ان شاء الله ، تابعوا المقالات القادمة للتعرف على المزيد..

التعليقات

تعليقات