كلما ازدادت معرفة الإنسان بالشيء تغيرت معاملته له، فالمعاملة على قدر المعرفة.

ولأنَّ معاني العبودية – مثل حب الله وخشيته – ما هي إلا معاملاتٍ يعامل بها العبد ربه؛ لذلك فإن نقطة البداية الصحيحة لتحقيق العبودية هي «معرفة الله» عزّ وجل، وكلما ازدادت معرفة الإنسان بربه ازداد حبه له، وثقته به، واعتماده عليه، واستسلامه له.

ولكي يعرف الإنسان ربّه يحتاج إلى النظر في الكون من حوله ليرى قدرته ولطفه سبحانه يظهران في خلق الكائنات الدقيقة، ويرى قدرته وعظمته في خلق الكواكب والنجوم الضخمة كثيرة العدد، ويرى وحدانيته في دقّة نظام الكون، ويرى قيّوميته وربوبيّته في تدبير معاش الكائنات…

يحتاج إلى النظر في نفسه ليرى تقلّب أحواله بين سَعة العيش وضيقه، بين المرض والصحة، بين العسر واليسر، الاجتماع والافتراق، الفرح والحزن…

ينظر إلى دقة تكوين خلقته، وإلى ما يحيط به من أخطارٍ يدفعها الله عنه، وما يحتاجه من أمورٍ يدبّرها الله له، وإلى الرزق كيف يأتيه…!

وإذا عرف الإنسان ربّه: أحبّه، وعظّمه، وهابه، وأطاعه، وتوكّل عليه…

ولقد منح الله عزّ وجل الإنسانَ الوسيلةَ التي من خلالها يستطيع أنْ يجمع المعلومات عنه سبحانه من جميع مخلوقاته، هذه الوسيلة هي العقل..

إذن فتحصيل العلم بالله هو أهم غايةٍ لخلق العقل…

ماذا عن العلوم الأخرى؟

أمَّا العلوم الأخرى كالعلم بالطب والهندسة والعلوم الأدبية والفيزيائية … إلخ، فهي غير مقصودة لذاتها، بل هي جزءٌ من سعي الإنسان في الأرض التي سخّرها الله له ليعبده…

ولكي نفهم هذه النقطة الخطيرة علينا أن نتذكر أن الغاية من خلق الإنسان هي عبادة الله سبحانه وتعالى، وأن الموت هو مصير كل حي، وأن الأرض بما عليها ستندك وتتحطم تماما بعد انتهاء فترة الاختبار …

… ولكن الله عز وجل برحمته يسّر الحياة للإنسان على الأرض، ولكي ينتفع الإنسان بما خلقه الله له يحتاج إلى تعلُّم خبرات السابقين وبذل بعض الجهد في توفير أسباب المعيشة كما أمر الله {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

ومع الوقت تطورت الأسباب ونمت علوم مختلفة حتى أصبح الإنسان محتاجا إلى تعلمها والتخصص في بعضها.. ولكن علينا ألا ننسى أن كل هذا من الأمور الفرعية التي لا ينبغي أن تشغلنا عن حقيقة المهمة التي نحن على الأرض من أجلها .. وهي عبادة الله.

ولا يفوتنا أن نذكر أيضاً أنَّ الله برحمته جعل للإنسان الذي يتعلم هذه العلوم بنية تيسير العبادة له ولغيره من الناس أجراً على ذلك وثواباً في الآخرة.. بشرط ألا تشغله عن الهدف الأصلي.

إعداد : فريــق ابن خلدون 

التعليقات

تعليقات