إن تولي مسؤولية التربية هو بمثابة عقد بين المربي ومن يربيه، يمَثِّل المربي فيه “الطرف الأول”، ويُمثِّلون هم الطرف الثاني، والشاهد على التنفيذ هو الله.
 ولأن الحديث هنا يتوجَّه إليك، فسيكون التذكير- بعون الله- في هذه الرسالة ببعض البنود التي تخصك.
ومن أهم تلك البنود: ما يتناول طبيعة وظيفتك معهم، ألا وهي: قيامك بالتوجيه والإشراف على عملية التغيير الإيجابي التي ينبغي أن تتم فيهم، وذلك من خلال إدارتك التربوية الصحيحة والهادفة للمناشط والوسائل المتنوعة التي يقومون بها.
ضع نصب عينيك قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } [ المائدة: من الآية 1] .
وذكِّر نفسك دائمًا بأن مسؤوليتك الأولى مع أبنائك أو من تقوم على تربيتهم هي الأخذ بأيديهم، والنهوض بهم في جوانب التربية المختلفة (المعرفية- الإيمانية- النفسية- السلوكية)، وذكر نفسك كذلك بأن معيار الإنجاز الصحيح لعملك يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمقدار التغيير الذي حدث لهم ، وليس بحجم الوسائل، والمناشط التي شاركوا فيها.

أعينهم معقودة عليك:
إن أعينهم معقودة عليك، فلا تكن فتنة لهم، وتذكر أنهم يأخذون دينهم منك، فإن أنت قصَّرت في أداء بعض الواجبات قصَّروا، وإن تساهلت- فيما لا ينبغي التساهل فيه-.. تساهلوا، وتذكر أن الدليل بالفعل أرشد وأقوى من الدليل بالقول، وكما قيل: “إذا أردت أن تكون إمامي فكن أمامي”.
واعلم أن الثقة تُبنى ولا تُمنح، وهي تُبنى في نفوس أبنائك بمواقفك الإيجابية، وأفعالك الحسنة، ودوام عطائك، وتواضعك، ومصداقيتك، فاجتهد في تحقيق ذلك في نفسك أولا.

لا تكن كالشمعة:
إن العامل الأساسي لنجاحك في التأثير الإيجابي في من تربيهم- بعد توفيق الله ومعونته- هو تطبيقك أنت أولاً، وتأثرك وانفعالك مع ما تريد أن تطالبهم به، فاجتهد في ذلك، ولا تتذرع بكثرة المشاغل وضيق الأوقات، فلا عذر لأحد في ترك نفسه بدون زاد مستمر، وتذكر قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [ الشرح : 7 ] ، أي إذا فرغت من الدعوة والجهاد فانصب للعبادة، ويكفيك قوله صلى الله عليه وسلم: ( مثل الذي يُعلِّم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تُضيء للناس وتحرق نفسها ).

التواضع .. التواضع:
ومن أهم صوره التي ينبغي أن تتمثل في المُربي بشكل عام؛ عدم إحساسه بأنه مميز عن أبنائه أو عن من يربيهم بتلك المكانة، حتى لا ينعكس ذلك على طريقة تعامله معهم من خلال حرصه على أن يكون له وضع خاص، ومعاملة خاصة، ومميزات خاصة.
بل عليه أن يربِّي نفسه على أنهم جميعًا أفضل منه، فإن فعل ذلك فسيَسهُل عليه- بعون الله- التعامل معهم، وجمع قلوبهم، وسيضع نفسه دائمًا مكانهم إذا ما أراد معاتبتهم على شيء قصَّروا في أدائه، وسيكون حريصًا على سماع آرائهم، وسيستقبلها بصدر رحب، وسيعتذر لهم إن أخطأ في حقِّهم أو تأخر عنهم، ولن يستحي أن يقول: “لا أعلم” حين يُسأل عن أمر يجهله، ولن يستخدم سلطته عليهم إلا إذا تطلب الأمر.

لا تنس الاحتساب:
– اجتهد في تجهيز نفسك معنويًّا، ومن أهم الوسائل لذلك: التوجه بالدعاء لله بتضرع أن يفتح عليك، ويُجري الحق على قلبك ولسانك.
– لا تنس الاحتساب، وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا أجر لمن لا حِسبة له ).
وهناك وسائل عديدة من شأنها أن تستثير مشاعرك وتقوي احتسابك، منها: تذكير نفسك دوما بأهمية التربية الصالحة، وأنها ترضي الله عزَّ وجلَّ، وترغيبها بالأجر الذي وعد الله به فاعلها، وترهيبها من تركه.
وأخيرًا.. أسأل الله لي ولك التوفيق والسداد.

إعداد : د. مجدي الهلالي

تدقيق وتنسيق : فريق ابن خلدون

التعليقات

تعليقات