الكثير من أفعالنا يقع خارج دائرة “المعقول” أو “المنطقي” … إنَّما يكون بدافع العاطفة أو المشاعر

فمثلاً: حبّ الأم لأولادها يحملها على اتخاذ تدابير غير ضرورية أبداً لحمايتهم من الأمراض، وكذلك رغبة الإنسان في الاستمتاع بشيء ما يدفعه لإنفاق الكثير من المال الذي تعب من أجل الحصول عليه لتحقيق هذه المتعة، بل قد تدفعه رغبته هذه للإضرار بنفسه كالمُدمن مثلاً

هذه المشاعر التي تحرِّك الإنسان قد يكون مصدرَها الإيمانُ الصحيح، مثل تضحية الإنسان بنفسه أو بماله في سبيل الله، أو بوقته وجهده

وقد يكون مصدرها سيطرة نفسه عليه، مثل الإدمان أو التعلق بالغير أو الخوف من المجهول أو نحو ذلك..

ما هي النفس :

النفس مَجْمَع الشهوات داخل الإنسان؛ لذلك من طبيعتها أنَّها تطمح دوماً لتحقيق ما تهوى و ترغب، وتريد أن يكون لها حظ ونصيب في كل عمل يقوم به الإنسان دون النظر إلى عواقب ذلك، كالطفل الذي يقوم بالضغط والإلحاح على أبويه للحصول على شيء قد يكون فيه ضرره، فالنفس كما وصفها القرآن “أمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي”، وهي لا تأمر بالسوء لحب السوء في ذاته، ولكن رغبة منها في تحصيل الشهوة منه.

ومن صفاتها أنَّها شحيحة تحب الاستئثار بكل شيء فيه نفع لها ولو كان نفعًا محدودًا {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128].

لديها القابلية للفجور والطغيان إذا تركها صاحبها بدون ترويض وتربية ومتابعة..

ولديها كذلك القابلية للاستكانة والتطويع إذا ما رُوّضت وزكّيت.

.. وهي ميدان التكليف؛ من يزكيها يفلح ويفوز، ومن يتركها دون ترويض يخيب ويخسر {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} [الشمس: 7 – 10].

.. أشد ما يسعدها شعورها بالتميز عن الآخرين، وأشد ما يشقيها ويحزنها شعورها بالنقص عنهم.

ويكفي في بيان قوة طغيانها عندما تُترك بدون تزكية وتربية ما فعلته مع قوم ثمود عندما أبت عليهم نفوسهم الإيمان بالآية العظيمة (الناقة)، بل ودفعتهم إلى قتلها ليحق عليهم العذاب الوبيل {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14)} [الشمس: 11 – 14].

وكذلك ما فعلت بابن آدم  {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30].

ولأنَّ النفس محبوبة، وما تدعو إليه محبوب نجد الكثير منّا لا ينتبه لخطورتها، بل يسترسل مع هواها في تحصيل الشهوات دون أن يدرك أنه بذلك يخونها ويظلمها عندما يتبع هواها، ويساهم في طغيانها، ويقترف من أجلها الذنوب والمخالفات التي تستدعي وتستوجب العقاب الإلهي في الدنيا والآخرة.

النفس هي العقبة الكؤود بيننا وبين الله عز وجل، ولقد خلقها الله بهذه الصفات ليختبر مدى صدق عبوديتنا له، فلولا وجودها لما وجد العبد أي مشقة في القيام بالطاعة، والإخلاص لله عز وجل.

إعداد : فريق ابن خلدون

التعليقات

تعليقات