تشير البحوث الحديثة إلى أن تعليم الصغار في سن مبكرة بشكل مكثف ، ربما يؤدي إلى نتائج عكسية !

إننا نعيش عصر (علم التربية) ، حيث يتعجل بعض الآباء في تعليم أطفالهم الكثير من الأشياء في سن مبكرة ، حتى أنهم أصبحوا يقرؤون الكتب للأجنة في أرحام أمهاتهم . كما يضغط بعض الآباء على المعلمين في الروضة ؛ ليجعلوها أكثر شبهاً بالمدرسة. حتى أصبح القانون نفسه يحث على التوجيه المباشر في الحضانات الحكومية.

بالطبع هناك مشككون في هذا النهج التعليمي في مرحلة ما قبل المدرسة ، من الآباء والأمهات والمعلمين وحتى من صناع القرار . إذ يؤمنون أن التوجيه المباشر للأطفال ربما يساعدهم على تعلم بعض الحقائق والمهارات ، إلا أنه لا يسمح للصغار بالاستكشاف وطرح الأسئلة واللعب . وهذه الأشياء الغائبة عن العملية التدريسية في مرحلة الروضة تُفقد الصغار قدرات أكثر أهمية لعملية التعلم على المدى البعيد . ولقد أظهرت دراستان ( إحداهما عن معهد ماساتشوستس للتقنية ، والأخرى عن جامعة كاليفورنيا في بيركلي ) أن هؤلاء المشككين على حق ؛ فالتعلم على يد معلم ، ربما يساعد الطفل للحصول على إجابة ما بشكل أسرع ، إلا أنه يجعله أقل ميلاً لاكتشاف المعلومات الجديدة أو ابتكار حلول جديدة غير متوقعة .

من المؤسف أن حجم معرفتنا الفعلية عن مدى تأثر التعلم بنوع عملية التدريس ، ليس بالقدر الكافي ، ربما لأنه من الأمور التي تصعب دراستها . لكن بالمقارنة بين مدارس مختلفة في طريقة التدريس ، يمكننا التوصل إلى أن الأطفال والمعلمين في روْضة تشجع على الاستكشاف والتعلم الذاتي ، يختلفون كثيراً عن الأطفال والمعلمين في روْضة تعتمد على برامج التلقين المباشر . ولكن كيف يمكن قياس حصيلة التعلّم لدى كل طفل ، إذا كان التلقين المباشر يجعل الأطفال يؤدون بشكل أفضل في الاختبارات المعيارية التي تستخدمها الحكومة في تقييم أداء المدارس ، في حين يصعب تقييم الاستكشاف والابتكار .

يسعى علماء التطوير إلى الكشف عن القواعد الأساسية للتعلم ، عن طريق التجربة . على سبيل المثال : إذا أعطينا مجموعة من الأطفال في عمر الرابعة نفس المسألة ، ونوعنا بين تعليمهم الحل مباشرة ، وتشجيعهم على حلها بأنفسهم .. هل سيتعلمون أشياء جديدة ، ويطورون حلولاً مختلفة ؟ لقد كشفت دراستان أجريتا في معهد (معرفة) أنهم سيفعلون ذلك بالفعل .

في الدراسة الأولى ، راقبت ” لورا شولز ” الأستاذة بمعهد ماساتشوستس ، مع تلامذتها وزملائها ، كيفية تعرف مجموعات من الأطفال في سن الرابعة على لعبة جديدة مكونة من أربع أنابيب ، تصدر كل أنبوبة منها شيئاً مثيراً للاهتمام : فإذا سحبت الأولى مثلاً ، تصدر صريراً .. وإذا نظرت في الثانية ، وجدت مرآة مخفية .. وهكذا .
ثم أحضرت المعلمة اللعبة لمجموعة من الأطفال ، وسحبت أول أنبوبة ، فأحدثت صريراً ، فتفاجئت المعلمة ، كأنها لم تكن تعرف .. على الناحية الأخرى ، قامت المعلمة بتعليم المجموعة الثانية من الأطفال كيفية سحب الأنبوبة لتحدث صريراً .

لعب الأطفال في المجموعة الأولى وقتاً أطول ، واكتشفوا المزيد من خصائص اللعبة التي لم تشرحها لهم المعلمة . وبذلك توصلت الباحثة إلى أن التلقين المباشر يجعل الأطفال أقل فضولاً ، وأقل ميلاً لاكتشاف المعلومات الجديدة .

[ هل يجعل التلقين المباشر الأطفال أقل ميلاً لاكتشاف استنتاجات جديدة ؟ هل يجعلهم أقل ابتكاراً ؟ ]
للجواب عن هذا السؤال ، قمتُ مع فريقي البحثي (دافنا بوتشسبوم وتوم جريفيث وباتريك شافتو ) بإعطاء الأطفال لعبة جديدة . تظاهرت ” دافنا ” أمام إحدى مجموعات الأطفال أنها لا تعرف كيفية عمل اللعبة ، فتقول : يا إلهي ! انظروا إلى هذه اللعبة ! تُـرى كيف تعمل ؟ دعونا نجرب .. أما المجموعة الثانية ، فقد علّمتهم ” دافنا ) طريقة عمل اللعبة بشكل تلقيني ..
في المجموعة الأولى ، لوحظ اكتشاف الأطفال لأكثر الطرق ذكاءاً في تشغيل اللعبة لتصدر صوت الموسيقى ، بينما في المجموعة الثانية ، قام الأطفال بتقليد ما كانت تفعله ” دافنا ” تماماً ، دون محاولة منهم لاكتشاف شيء جديد أو ابتكار طريقة مختلفة .

وهكذا تكشف الدراسات يوماً بعد يوم ، أن التلقين المباشر يمكن أن يحدّ من تطوير قدرات طفلك التعليمية . ربما يكون هذا النمط في أساليب التدريس مجدياً لتعليم الأطفال شيئاً محدداً ( هذه الأنبوبة تصدر صوتاً مثلاً ) ، لكنه يجعل الأطفال أقل ميلاً لاكتشاف معلومات جديدة والتوصل إلى حلول غير مألوفة .

ما الذي يدفع الأطفال للتصرف على هذا النحو ؟

يعتقد كثيرون أن معظم ما يتعلمه الطفل يأتي عن طريق التلقين ، أما التعلم الاستكشافي الذاتي ، أمر استثنائي . لكن واقع الأمر أن التعلم الذاتي أكثر أهمية ، وهو طريقة مُثلى للتعلّم لدى الأطفال . ويرى المتخصصون في التعلم الآلي أمثال ” باتريك شافتو ، جامعة لويزفيل ” و ” نورا جودمان ، جامعة ستانفورد ” أن تلقي العلم بطريقة التلقين ، يدفع الأطفال للاكتفاء بالمعلومات التي تصدر عن المعلم ، حيث يرون في هذه الحالة أن كل ما قاله المعلم ، هو كل ما يجب معرفته .. مما يضيق آفاقهم . بينما يبحث الأطفال اللذين لا يتلقون العلم عن معلّم محدد ، يبحثون عن مدى أوسع من المعلومات ، ويفكرون بشكل أكثر حرية وانطلاقاً .

تعتبر طريقة التلقين المباشر طريقة سهلة وسريعة للحصول على المعلومات ، لكنها تفتقر في المقابل إلى ذلك التعلم الأوسع نطاقاً والذي يحتاجه الأطفال في السن المبكرة وفقاً لطبيعتهم الفطرية . لذا ، من المهم منح الطفل مساحة من الحرية الكاملة في التعلم ، وحثه على الاكتشاف واللعب .. ولنعلم أن المدرسة لا تليق بما يلائم أذهان الصغار من انطلاق وابتكار .

التعليقات

تعليقات