كثيراً ما نشتكي من المسافة الواسعة بين القول – الذي يعبِّر عن المعارف العقلية – وبين العمل – الذي تدفع إليه إرادة القلب –.

فبالرغم من أننا نعرف – مثلاً – أنَّ الصدقة هي أفضل استثمارٍ لنا في الآخرة، وأنَّ الإنفاق في سبيل الله من الأعمال التي يحبها الله ورسوله، إلا أننا كثيراً ما نتفلّت منها، وحين نفعل لا ننفق إلا القليل، وقد نستكثره، ونُحصيه،… وحين نحاول تضييق هذه المسافة من خلال الاجتهاد في زيادة العمل سرعان ما نسقط؛ لأننا لا نجد دافعاً قوياً يُلزمنا بالاستقامة..

هذه المشكلة يفسرها أنَّ معرفة العقل لا تكفي للاندفاع نحو العمل، بل لابد من وجود الدافع القلبي الذي يعبر عن ثقته واطمئنانه إلى الأمر المطلوب.

ففي مثال الإنفاق السابق: نجد أنَّ القلب في الحقيقة يحب الدنيا، ويثق في المال ويطمئن إلى وجوده كسبب في توفير متاع الدنيا؛ من أجل ذلك لا يتجاوب مع المعارف العقلية التي تدعوه للصدقة والإنفاق في سبيل الله.

وهذا الاطمئنان القلبي يسمى “الإيمان”؛ فالدافع الحقيقي للعمل ليس مجرد معرفة الخطأ والصواب، بل الإيمان بذلك؛ ومن هنا كانت أهمية التربية الإيمانية في سد الفجوة بين العلم والعمل.

فإذا ظلَّ العلم حبيساً في عقل صاحبه، ولم يصل إلى القلب – لينشأ على إثره الإيمان – فسيقع القلب أسيراً لهوى النفس، وكلَّما ضعف الإيمان تمكن الهوى؛ وترتبت على ذلك آثار سلبية خطيرة تزيد وتنقص بحسب درجة ضعف الإيمان.

.. فمن آثار ضعف الإيمان: أنك قد تجد شخصاً كثير الحديث عن القيم، والمثل، والأخلاق، لكنه يمارس عكس ما يتحدث عنه، وفي بعض الأحيان تجده قد اعتراه الضيق من حاله وواقعه لكنه لا يستطيع تغييره لأن هواه قد سيطر على إرادته واستولى عليها.

ومن آثار ضعف الإيمان أيضًا: التساهل والتباطؤ في تنفيذ أوامر الشرع، والبحث عن الرخص والأعذار، وتبني الآراء المرجوحة والضعيفة لإيجاد المبرر للتفلت من التطبيق الصحيح للدين.

ومن آثاره: شدة الاهتمام بالدنيا، والحرص على تحصيلها، وارتفاع سقف الطموحات فيها، وانشغال الفكر بها، مع كثرة أحلام اليقظة بالثراء والرفاهية.

ومن تلك الآثار: شدة الحرص على المال والحزن الشديد على نقصانه، ودوام إحصائه، وكثرة التفكير في سبل إنمائه، واستيفاء المرء لحقه المالي التام من الآخرين، وفي المقابل قد نجده يحاول التملص من أداء واجباته والتزاماته المالية كاملة تجاههم.

ومنها: ضعف الورع، والوقوع في دائرة الشبهات، والاقتراب من دائرة المحرمات كاستسهال الكذب وعدم قول الحقيقة كاملة، وعدم الوفاء بالعهود والمواعيد.

ومنها كذلك: عدم الحزن على فوات الطاعة، أو الوقوع في المعصية..

يقول عبد الله بن مسعود: إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا.

أي: نحاه بيده أو دفعه.

مستهدف التربية الإيمانية

الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه التربية الإيمانية هو زيادة الإيمان في القلب حتى يغلب الهوى؛ فتستنير بصيرته، وتعلو حساسيته تجاه كل ما يرضى الله عز وجل فيتسابق إلى فعله، وإلى كل ما يبغضه فيسارع إلى تركه.

وهي تهدف أيضاً إلى أن تُخِضع مشاعر الإنسان لله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم: “من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان”.

إعداد : فريــق ابن خلدون

التعليقات

تعليقات