د. محمد الشيخ يتحدث عن الوسائل التي يمكن من خلالها مواجهة ظاهرة العنف لدى الأطفال التي تظهر بصورة سلوكيات عدوانية ضد الآخرين.

التغلب على ظاهرة العنف لدى الأطفال ليس بالمهمة البسيطة، وذلك لأن العنف الموجود لدى طفلٍ معينٍ هو نتيجة أوضاعٍ بيئيةٍ ووراثيةٍ واجتماعيةٍ عديدةٍ -كما أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول- لذلك فإن معالجة هذا الأمر ستأتي في اتجاهاتٍ عديدةٍ أهمها:

الوالدين:
في البداية علينا أن ندرك أن هذا الطفل العنيف لم يولد عنيفاً، وأن البيئة الأسرية مسؤولة بشكل أو آخر عن تنمية مثل هذه السلوكيات أو الحد منها، ويلعب الوالدان دوراً هاماً في هذا الأمر؛ إذ يمثلان نموذجاً يقتدي الطفل بكل تصرفاته وسلوكياته؛ لذا يجب أولاً الامتناع عن الصوت العالي في المنزل، والشجار بين الأب والأم .
يتوجب على الوالدين أيضاً تهيئة الفرصة للطفل الصغير لاستكشاف البيئة من حوله، وعدم كبت رغبته في البحث والتنقيب والتجريب، مما يساعد الطفل على إخراج طاقته بصورة إيجابية، و باتجاه سليم، بدلاً من العدوانية والعنف.
على سبيل المثال: إعطاء الطفل ألعاب الفك والتركيب، وتشكيل الأشياء، أو الألعاب المائية، مع تركه للاستمتاع بها تحت نظر الوالدين، ودون الخوف الزائد من بلل الطفل بالماء أو ما شابه…

حرية التعبير:
على الوالدين أيضاً أن يعلما أطفالهم كيفية التعبير عما بداخلهم، والإفصاح عن مشاعرهم عن طريق الحوار؛ فمحاورة الطفل والتحدث إليه في سن مبكرة يقلل كثيراً من نزعات العنف لديه، ويعلّمه منذ الصغر كيفية إخراج الطاقة السلبية، والتعبير عن مشاعره لفظياً .

تعزيز الشعور “بالغنى النفسي” لدى الطفل:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ولكن الغنى غنى النفس”، فمن المهم تربية الطفل على الشعور بغنى النفس، وهو ما يقابل الشعور بالحرمان الدائم والتطلع لما عند الآخرين، سواء كان ما عندهم شيئا ماديا (كتفوق مالي أو بدني) أو معنويا (كتميز دراسي أو محبة الأبوين والأهل…)، من هنا تأتي أهمية تعزيز الشعور بغنى النفس الذي يدفع عنه الشعور بالنقص والدونية الذي قد يدفعه للعدوان على الآخر لتعويض ها النقص.

القدوة:
على الأب والأم أن يكونا نموذجاً ومثالاً للطفل في الهدوء والتأني في مواجهة المشاكل دون ضجيج، أو عنف لفظي أو بدني، مع ضرورة الابتعاد تماماً عن أساليب التوبيخ والزجر عند الحديث مع الأبناء.
كما يجب عليهما اختيار القدوة التي يرغبان أن تكون نموذجاً لطفلهما؛ من خلال مراقبة المواد الإعلامية التي يتعرض الطفل لها عبر التلفزيون، وأبطال أفلام الكارتون التي يشاهدها، وفي هذا السياق نحذر من بعض الأفلام التي يشاهدها الأطفال في الآونة الأخيرة، التي تبرز شخصية البطل “البلطجي” الذي يلجأ إلى العنف في تسوية مشاكله، وعادة ما يكون جاهلاً وغير متعلم .
فضلاً عن ذلك، تجذب ألعاب العنف الإلكترونية انتباه العديد من الأطفال، كالمصارعة والكاراتيه، وعلى الوالدين مراقبة هذه الألعاب أيضاً والحد من استخدام الأطفال لها، لا سيما إن كانت لدى الطفل ميول عدوانية .

غرس القيم الإيجابية:
من الضروري تشجيع الأطفال على العمل الجماعي داخل المنزل، وتوزيع الأدوار، وتنمية روح الفريق في البيت والمدرسة، والتشجيع على الحوار المتبادل بين الأخوة والأصدقاء؛ مما يدعم شعور الطفل بالانتماء، وحب أخوته، واستشعار المسؤولية تجاههم، ويحد من مشاعر الكراهية التي تولد العنف، وخاصة بين الإخوة الذين يغارون غيرة شديدة من بعضهم البعض.
توجيه العنف إلى طاقة إيجابية:
قيام الطفل بأعمال العنف يعكس شعورا داخل الطفل، هذا الشعور قد يكون سلبيا، وقد يكون إيجابيا، فإذا كان عنف الطفل ناتجا من شعوره بالنقص والحرمان، أو بالكبت والقهر، أو نحو ذلك من المشاعر السلبية، فيجب معالجة هذه المشاعر كما مر في فقرات المقال، أما إذا كان العنف ناتجا من مشاعر إيجابية مثل الشعور بالغضب ممن ظلمه، أو الدفاع عن مظلوم، أو حماية الحق (مثل أن يتعدى عليه أحد زملائه بالإيذاء، أو يتعدى على أخيه الأصغر منه، أو ينتهك أحد ممن حوله أمرا أساسيا يراه حقا) هنا يجب ترشيد وتوجيه هذا العنف واستثماره في التكوين النفسي المتوازن لدى الطفل، فينبغي مثلا تربيته على رفع مظلمته لمن يحكم بينه وبين من آذاه، أو تربيته على ألا يزيد عن دفع الظلم ولا يتعدى على غيره، ونحو ذلك…
الأصدقاء:
تخيري لطفلك أصدقاء من نفس مرحلته العمرية، يقضي معهم أوقات اللعب؛ مما يساعده على تفريغ طاقته المكبوتة مع أطفال يشبهونه، يؤثر فيهم ويتأثر بهم .

الوعي عند مواجهة خطأ الطفل:
إذا كان الطفل يصدر بعض السلوكيات العدوانية، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه “عنيف”، ولكن ربما تكون هذه هي الطريقة الوحيدة التي يعلمها، ولا يعرف غيرها سبيلاً للتعبير عن مشاعره وغضبه؛ لذا تجاهلي السلوك السلبي بهدف الحد منه، واستبدليه بالحوار والمناقشة والاحتواء ؛ فالعنف لا يولد إلا عنفاً .

تجنب التدليل الزائد:
قد يؤدي التدليل الزائد في كثير من الأحيان إلى العنف والعدوانية، فيصبح الطفل عنيداً في مواجهة طلبات الأم والأب .. وينتهي بهم الحال إلى عنف متبادل “إيجابي”: بإيذاء لفظي، أو بدني من جانب الوالدين، أو “سلبي”: بالعناد، والرفض، والتكسير من جانب الطفل، فيجب مراعاة ذلك .
حفظ الله أطفالنا، وأعاننا على تأدية حق الله فيهم، فهم أمانة لدينا، والحفاظ عليهم فرض عين على كل أب وأم ومعلم .

التعليقات

تعليقات