وردتنا استشارات عديدة من أمهات يشتكين العنف المُفرط لدى أطفالهن، حتى الأطفال دون العامين؛ لذا، أفردنا هذا المقال للتعريف بظاهرة “العنف” لدى الأطفال، وأسبابها، ودوافعها، ومن ثمّ كيفية التعامل مع الأمر بطريقة سليمة.

تتنامى ظاهرة العنف المجتمعية وتتزايد بشكل مطرد في الآونة الأخيرة، وليس العنف مقصوراً على فئة معينة، أو جنس واحد، أو مرحلة عمرية دون أخرى، وقد أصبح العنف أحد أكثر الشكاوى شيوعاً في العيادات النفسية، وانتشرت بين الأمهات جملة “أصبح ابني عنيفاً جداً في الفترة الأخيرة، ويضرب إخوانه، ولا أعرف ماذا أفعل؟

الأسباب:

تؤكد الدراسات الحديثة أن ظاهرة العنف معقدة، ومتعددة الأسباب، وليست أحادية الاتجاه، فليس هناك سبب واحد يؤدي مباشرة إلى العنف، إنما تتعدد العوامل والأسباب، التي منها :

أولاً: العوامل الوراثية :

قد تكون بعض صفات العنف محمولة على الجينات، فتنتقل من جيل إلى جيل، وتتحكم تلك الجينات في الإفرازات الهرمونية المسؤولة عن السلوك العدواني، والتغيرات المزاجية التي تؤدي للعنف؛ لذا، تشتكي بعض الأمهات أن طفلها حاد الطبع مثل أبيه، أو حتى مثلها هي شخصياً.

ثانياً: العوامل البيئية:

ونقصد بها: تلك المتغيرات التي تحدث من حولنا في البيئة، وتؤدي بنا إلى السلوك العدواني… على سبيل المثال: “الزحام الشديد”، فقد أثبتت التجارب العملية أن الأفراد الذين يعيشون في مكان مزدحم، لا تتوفر فيه مساحة كافية لكل فرد، يؤدي بهؤلاء الأفراد إلى العنف، وكذلك “التلوث البيئي” يؤثر سلباً على السلوك، ويدفع إلى العنف، ونمو السلوك العدواني لدى أولئك الذين يسكنون المناطق العشوائية المزدحمة والملوثة .

ثالثاً: العوامل الاجتماعية:

و هي بالغة الأهمية فيما يتعلق بظهور العنف لدى الأطفال؛ فالتربية والعلاقة الأسرية أحد محركات العنف الرئيسية… على سبيل المثال: بيت يملؤه الشجار الدائم بين الأبوين، أو التعنيف البدني، أو اللفظي المتبادل .. يعدّ بيئة آمنة لبروز ظاهرة العنف لدى الأطفال؛ فالأطفال كائنات تحكاي بطبعها ما يحدث حولها، فيقلدون العنف الذي يرونه بالمنزل لكي يتغلبوا على مشكلاتهم.

وفوق هذا ما يُمارَس ضد الأطفال من عنف في المنزل أو المدرسة أو غير ذلك؛ مما يولد كميات هائلة من الطاقة السلبية داخل الطفل، والتي قد لا تجد لخروجها سبيلاً إلا من خلال ممارسات عنيفة، تتمثل في الاعتداء على الإخوة أو الأصدقاء، أو حتى التعدي على أغراض المنزل بتكسيرها، أو ممتلكات الغير بتخريبها.

و يأتي الإهمال الأسري في مقدمة العوامل المؤدية لبروز العنف بأنواعه المختلفة؛ فنجد آباء وأمهات يشكون عنف أبنائهم، وعند البحث عن حقيقة علاقتهم التربوية مع هؤلاء الأبناء، نجد الأب متغيباً في الغالب والأم كذلك، ومهمة تربية الطفل موكولة إلى المربية!

ومن الأسباب المعروفة لظهور الميول العدوانية: مشاهدة العنف بأشكاله المختلفة عبر شاشات التلفاز، وألعاب الفيديو العنيفة كالمصارعة والكاراتيه، والأعمال الدرامية التي تبرز “البلطجي” بطلا يواجه جميع مشكلاته بالعنف، فيتوحد معه الطفل، ويكون لهم مثلاً أعلى وقدوة يحتذى به وبسلوكياته.

رابعاً: العوامل البيولوجية:

يقصد بهذه العوامل النقص العضوي أو الفسيولوجي، كالإعاقة العقلية أو البدنية والصمم،… و ما إلى ذلك من الأشياء التي تجعل الطفل يواجه صعوبات عديدة في التواصل مع الآخرين، فيكون غير قادر على التعبير عما يريد بسهولة.

لذا، يتوجب على كل أب أو أم – يلاحظان ظهور سلوكيات عنيفة أو عدوانية لدى أطفالهم – مراجعة كل الأسباب السابق ذكرها، للوقوف على حقيقة ما أدى بأبنائهم إلى العنف، ثم نتناول بعد ذلك محاولاتنا للتغلب على ظاهرة العنف لدى الأطفال، في المقال القادم إن شاء الله.

إعداد : الدكتور محمد الشيخ

تنسيق : فريق ابن خلدون 

التعليقات

تعليقات