لو كان العقل هو الذي يحرك الإنسان لكانت المعرفة العقليَّة وحدها تكفي دافعاً للسلوك، إلا أنَّ الأمر ليس كذلك

فمع أهمية المعرفة وضرورتها كبوابة أساسيَّة لتحقيق العبودية ومن ثم الاستقامة

إلا أنَّ الذي يصدر الأوامر بالحركة الإراديَّة داخل الإنسان هو القلب وليس العقل

فالقلب يعد بمثابة مركز الإرادة واتخاذ القرار، ومنه تنطلق الأوامر بالأفعال الإرادية، وما على الجسد إلا التنفيذ..

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: “ألا إنَّ في الجسد مضغة إذا صلَحت صلَح الجسد كلُّه وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”.

هذا القلب تتجاذبه قوتان:

قوة الهوى وما تميل إليه النفس وتشتهي

وقوة الإيمان بما في العقل من أفكار وقناعات

و الأقوى منهما وقت اتخاذ القرار هو الذي يستولي على الإرادة، ويوجه القرار لصالحه.

فعندما يسمع المسلم أذان الفجر – مثلاً – ويريد أن ينهض من نومه للصلاة فإنَّ صراعًا ينشَب داخله؛ بين إيمانه بأهمية ضرورة القيام لصلاة الفجر وبين هوى نفسه وحبّها للراحة والنوم وعدم التعرض للمشقة، فإن استيقظ فإنما أيقظه إيمانه الذي كان أقوى من الهوى في هذه اللحظة، وإن نام فقد غلبه هواه الذي كان أقوى من إيمانه في هذه اللحظة.. فالإيمان هو الدافع للسلوك الإيجابي، والهوى هو الدافع للسلوك السلبي.

معنى ذلك أنه :

إن لم يحدث للمعارف والقناعات الموجودة بالعقل اطمئنان وتصديق قلبي بالقدر الذي يقاوم الهوى المضاد لهذه القناعات وينتصر عليه؛ فإنَّ هذه القناعات لن تترجم إلى سلوك عملي، ومن ثَمّ يصبح كلام المرء وقناعاته في جانب، وسلوكه في جانب آخر.

فلا يكفي المرءَ اقتناعُه بالفكرة لكي يمارس مقتضاها في واقعه العملي، بل لابد من تحويل هذه الفكرة إلى إيمان عميق في القلب ينتصر على الهوى.

مفهوم الإيمان بالله:

الإيمان بالله يعني ثقة القلب بما يعرفه العقل عن الله، فإذا كنا نعلم أنَّ الله عز وجل هو الحيّ القيّوم، وهو السميع البصير، وهو على كل شيء قدير … فإنَّ هذه المعرفة لا تعتبر إيماناً ما لم تصل إلى القلب، ويزداد الإيمان كلما ازداد الشعور القلبي بهذه المعاني، حتَّى تتحول فيه إلى قوة دافعة تغلب الهوى المضاد لها…

فالذي يعلم أنَّ الله هو السميع البصير لا يكفيه هذا العلم حتَّى يجد أثره في قلبه، فيظهر ذلك في الثقة بأنَّ الله معه حيث كان، وفي الحذر من مراقبته له… ثم لا يزال يقوى الإيمان حتَّى يظهر في المحكات العمليَّة؛ كأن تدعوه نفسه مثلاً إلى مخالفة أمر الله حيث لا يراه أو يسمعه الناس فإمَّا أن يغلب إيمانُه هواه فلا يفعل ذلك، وإمَّا أن يغلب هواه ويضعف إيمانه فيقع في المعصية… وهو ما يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن…” فهو في هذه اللحظة قد ضعف إيمانه، و غلب عليه هواه، والله أعلم.

وكلما ازداد الإيمان بصفات الله سبحانه؛ كُلَّما انعكس ذلك على تعامل العبد معه، بمعنى أنه كلَّما ازدادت الثقة بالله «الحكيم» ازدادت حالة الرضا عند العبد، وكلَّما ازدادت الثقة بقيُّوميِّة الله وإحاطته بكل شيء ازدادت حالة التقوى والتوكل على الله، وهكذا…

إعداد : فريــق ابن خلدون 

التعليقات

تعليقات