تستطيع الأم المهتمة بتعليم أطفالها منزلياً من خلال هذا المقال ، أن تحظى بفرصة التعرف على حقيقة ما تدعيه المؤسسة التعليمية من بطء طفلها أ أو إصابته باضطراب عسر القراءة .

في أغلب الأحيان يلقى باللوم على بعض الأطفال بأنهم من محدودي الذكاء أو من المصابين باضطراب صعوبة القراءة.

وليس هذا الأمر عيباً في ذاته، ولا عيباً في الطفل إن ولد هكذا، ولكن ماذا لو فكرنا بشكلٍ آخر؟

ماذا لو وضعنا احتمال أن تكون الطريقة التعليمية التي يتلقى بها الطفل دروسه غير مناسبةٍ له؟

وقبل أن ترفض هذا الاحتمال أو تقبله إليك هذه الحادثة الواقعيةٌ.

لقد استحدث الأمريكيون في ثلاثينات القرن الماضي طريقةً لتعليم التلاميذ سرعة القراءة، و قد أسموا هذه الطريقة ( The whole word ) أي ( الكلمة الكاملة ) ، كما أطلقوا عليها مسمياتٍ أخرى ، مثل ( Look & say )   بمعنى ( انظر ، و ردد ) . ونتيجةً لاستخدام هذه الطريقة، اضطرب أداء بعض التلاميذ؛ إذ لم يستطيعوا التعرف على الشكل الإجمالي للكلمة.

وحين بلغوا الصف الرابع، دون تحقيقٍ للإنجاز اللغوي المطلوب، اعتقد القائمون على تعليمهم أن هؤلاء الأطفال يعانون [ اضطراب عسر القراءة ] المعروف علمياً بـالديسليكسيا Dyslexia، و عند وصولهم الصف الخامس ، اعتقد القائمون على تعليمهم أنهم يعانون من [ اضطراب فرط الحركة و نقص الانتباه ] المعروف بـ ADHD .

وعلى هذا الأساس بدأوا في إعطائهم بعض العقاقير المنشطة لقشرة الدماغ ، مثل: (ريتالين)Ritalin الذي يعد أحد الأدوية التي توصف لعلاج هذا الاضطراب .

لكن كثيراً من الباحثين تساءلوا: لماذا ظهرت هذه المشكلة النفسية لدى التلاميذ بعد استحداث تلك الطريقة الجديدة في التعلم؟ وهل هناك احتمالٌ أن تكون المشكلة في طريقة التعلم نفسها؟

وبعد أبحاثٍ توصل الكثير من خبراء الصوتيات إلى أن هؤلاء الأطفال ، ليسوا إلا ” ضحيةً ” ، ولا يعانون من اضطراب [ عسر القراءة ] على الإطلاق ، إنما يعانون من طريقة تعلمٍ بائسةٍ ، على أيدي معلمين غير مهنيين، و غير مدربين بما يكفي لاستيعاب تبعات هذه المهمة.

وهذا هو السبب الرئيس وراء التأخر الدراسي لهؤلاء الأطفال.

و هناك فرقٌ بين ( اضطراب عسر القراءة ) و ( التأخر الدراسي ) .

فعلى الرغم من كونهما متشابهين في كثيرٍ من الأعراض، إلا أن الأسباب التي تؤدي لكلٍ منهما مختلفةٌ تماماً.

فالأول: اضطرابٌ نفسيٌ، ربما يستدعي تدخلاً طبياً، و بعض البرامج العلاجية.

أما الثاني: فيرجع في كثيرٍ من الأحيان إلى فشل المنظومة التعليمية في إيصال المعلومات للطفل على نحوٍ سليمٍ، وعدم قدرتها على تنمية ذكائه ورعاية موهبته.

وعلى الجانب الآخر  فإن تكامل وإحكام النظام التعليمي، يحد من تعثر الطالب تعليمياً ، حتى مع ذوي الذكاء المنخفض، فتجد جميع التلاميذ قادرين على القراءة بصورةٍ صحيحةٍ مع نهاية الصف الأول .

و قد اقترح الخبراء استبدال مصطلح ( الديسليكسيا Dyslexia ) -والذي يعبر عن عسرالقراءة بسبب خللٍ نفسيٍ في الطفل- بمصطلحٍ جديدٍ هو( الديستيتشيا Dysteachia ) حيث أن المقطع الأخير (teach) يعني (التدريس) وذلك نسبةً إلى ما يحدث من خللٍ تعليميٍ بسبب طريقة التدريس.

لكن الأمر بسيطٌ ، و من السهل علاجه.

و ذلك أولاً : بإدراك أن الطفل لا يعاني اضطراباً نفسياً أو عسراً في القراءة، و إنما يعاني تعثراً دراسياً ناتجاً عن خللٍ في المنظومة التعلمية بالكامل.

و من ثم البدء في تعليم الطفل -بشكلٍ فوريٍ- الطرق الصحيحة لنطق الكلمات ومخارج الحروف، اعتماداً على خبراء متخصصين، وذلك في وقتٍ مبكرٍ حتى يتسنى تصحيح ما وقع من أخطاءٍ صوتيةٍ أثناء عملية التعلم الأولى. إذ يزداد الأمر صعوبةً مع مرور الوقت.

و الآن، بقليلٍ من التفكير في الأمر، و بالنظر إلى حال أولئك الأطفال البائسين، و حجم الرعاية الطبية التي تلقوها ، و كمية العقاقير الكميائية التي تعاطوها، وحجم الاستثمار الذي بلغ مليارات الدولارات لإنتاج هذه العقاقير في سبيل علاج اضطرابٍ لا وجود له أصلاً! نصل إلى نتيجةٍ مؤداها، أن المؤسسة التعليمية ( المدرسة ) ربما تستسهل إلقاء اللوم على الطالب عند فشله، بل تتفاخر المؤسسات فيما بينها بعدد التلاميذ المصابين بعسر القراءة لديها.

وحقيقة الأمر أن من يعانون من هذا الاضطراب، هم نسبةٌ ضئيلةٌ جداً، بينما ضحايا التعثر الدراسي الناتج عن سوء طريقة التعليم كثيرون جداً.

 

ومن هنا ، تأتي أهمية التعليم المنزلي، الذي يحرص على توفير مسارٍ بديلٍ في عملية تعليم الطفل ، سواءٌ في سبيل استكمال دور المدرسة ، أو في سبيل تنقيح و تنقية هذا الدور مما شابه من الخلل و العوار .

لذا ، فالأم المهتمة بتعليم أطفالها منزلياً ، قد تحظى بفرصةٍ أكبر للتعرف على حقيقة ما تدعيه المؤسسة التعليمية من بطء طفلها أو إصابته باضطراب عسر القراءة .

إعداد : د. محمد الشيخ 

تنسيق وتدقيق : فريق ابن خلدون 

التعليقات

تعليقات