شهدت السنوات الأخيرة تطوراتٍ سريعةً في الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية.

فكان من الطبيعي بعد الاستخدام المفرط لها تحوله إلى إدمانٍ، ولكن إدماناً كهذا إذا أصاب الأم حتماً سينعكس على علاقتها بأبنائها.

فأمٌ تدمن استخدام الهاتف هي أمٌ ليس لديها ما يكفي من الوقت أو الطاقة لتكون صبورةً أو رؤوفةً بأبنائها.

كثيراً ما تتلقى الأمهات رسائل حبٍ من أطفالهن سواءٌ صنعوها بأنفسهم بإتقانٍ أم لا.

تلقت رايتشل ستافورد – وهي كاتبةٌ- رسالةً من ابنتها ذات الست سنواتٍ في عيد الأم؛ لكنها لم تكن كأي رسالةٍ أخرى.

لقد كان نص الرسالة: “الشيء المهم أن أمي دائماً ستكون بجانبي عندما أكون في ورطةٍ”،

كان لتلك الكلمات المعدودة أشد الأثر في الأم. إذ انحبست أنفاسها، وما لبثت أن انهمرت الدموع من عينيها، فحسب وصف الأم “لم يكن الحال هكذا دائماً”.

الجدير بالذكر أن رايتشل هي صاحبة كتابHands Free Mama من أعلى الكتب مبيعاً في نيويورك لعام ألفين وأربعة عشر 2014.

تقول رايتشل إنه في خضم حياتها المشغولة والمليئة بالملهيات، تغير حالها في البيت مع أطفالها كثيراً عن ذي قبلٍ، إذ باتت تصرخ؛ ليس كثيراً بقدر ما هو صراخٌ عنيفٌ وشديدٌ، يفزع الجميع منه خوفاً وألماً.

فتصارح نفسها متسائلةً: ما الذي يفعله أبناؤها ليجعلها تفقد السيطرة على انفعالاتها وتصرخ؟! هل هو إصرار ابنتها على عدم الخروج بدون نظارتها المفقودة في حين أنهم متأخرون؟ هل هي محاولة طفلتها تحضير الفطور لنفسها فتسكب الطعام دون قصدٍ؟ هل لعبها بنظارة الأم وكسرها بالرغم من تحذيرات الأم الكثيرة؟ هل هي مقاومة ابنتها النوم عندما تكون الأم في أمس الحاجة لبعض الراحة؟ أم هل السبب هو شجارها الدائم مع أخيها الصغير لأسبابٍ تافهةٍ، كمن يخرج من السيارة أولاً؟

في الحقيقة، الإجابة هي: نعمٌ لكل ما سبق.

الحوادث النمطية لسلوك الأطفال هي ما كانت تزعجها لحد فقدان السيطرة، هي التي كانت تضايقها لدرجة الصراخ على طفليها الغاليين اللذين يحبانها أكثر من أي شيءٍ في الحياة.

وبين حياتها المشتتة وسعيها للكمال، لم يتبق لديها أي طاقةٍ للرأفة أو الحنو على أبنائها.

تذكر رايتشل مثالين للتشتت والإلهاء :

أولهما: هو ما تعاني منه كثيرٌ من أمهات هذا العصر، وهو الاستخدام المفرط للتكنولوجيا وبالأخص الهواتف الذكية.

وثانيهما: الضغوط الاجتماعية.

وبوجود هذين السببين جنباً إلى جنبٍ مع قوائم المهام الكثيرة الواجب عملها كأمٍ، إضافةً إلى سعيها للوصول للكمال في كل شيءٍ، كانت النتيجة الحتمية الاستنزاف الكامل لها، والنتيجة المباشرة كانت الصراخ على أبنائها.

ومع فقدان السيطرة، لابد وأن يمر الفرد بلحظات انهيارٍ.

بالفعل هذا ما حدث، تقول: إنها كانت تنهار، وللأسف خلف الأبواب المغلقة عندما تكون بصحبة أبنائها بعيداً عن أعين الناس.

وصارت تلك حياتها المعتادة، حتى جاء اليوم الذي انتبهت فيه لحقيقة ما يحدث.

أوقعت ابنتها ذات الست سنواتٍ الأرز دون قصدٍ، وما لبثت أن أجهشت بالبكاء متجمدةً لا تتحرك بانتظار توبيخ الأم لها.

“هي خائفةٌ مني!”

تقول الكاتبة إنها أدركت في تلك اللحظة الفكرة الأكثر إيلاماً على الإطلاق، فطفلتها مرتعبةٌ من ردة فعلها على حادثٍ بريءٍ غير مقصودٍ.

في ذلك اليوم المشؤوم أدركت رايتشل أنها تحولت لتلك النسخة من الأمهات التي طالما تمنت ألا تكون لأبنائها، فهي لا ترغب في العيش هكذا.

في غضون أسابيع، مرت بانهيارٍ جعلها تدرك حقيقة ما يحدث، ودفعتها تلك اللحظة المؤلمة للقيام بتغيراتٍ مهمةٍ وجذريةٍ في حياتها.

منذ ثلاث سنواتٍ بالفعل قلصت من مصادر التشتيت الخارجية كالإلكترونيات، وركزت اهتمامها على ما يهمها حقاً.

وتحررت من الضغوط الاجتماعية كأن تضطر للقيام بكل شيءٍ بما يفوق طاقتها ويستحيل أن تصل للكمال فيه.

وبينما تخلصت من تلك الإلهاءات الداخلية والخارجية، تبدد ببطءٍ الغضب المتنامي بداخلها.

فمع الأعباء القليلة أصبحت قادرةً على التفاعل مع أبنائها ومخالفاتهم بطريقةٍ معقولةٍ أكثر هدوءاً ورأفةً.

فمثلاً صارت تقول “هذا مجرد شراب شوكولاتةٍ، يمكنك مسحه وستبدو المنضدة كالجديدة”، بدلاً من التأوه والتوبيخ.

وصارت تساعد ابنتها بإعطائها المكنسة لتنظف ما أوقعته على الأرضية، بدلاً من الاستنكار والإذلال.

وصارت تساعد ابنتها في تذكر أين وضعت أشياءها، بدلاً من التعنيف والتحقير بأنها غير مسؤولةٍ.

تقول رايتشل إن الوضع لم يكن وردياً، فهي تعترف أنها ما زالت تمر أيضاً بلحظات انهيارٍ، لكن حينها تنفرد بنفسها وتذكرها أنهم فقط مجرد أطفالٍ، يخطؤون مثلما تخطئ هي أحياناً.

وبمرور الوقت اختفى ذلك الهلع من عيني ابنتها وابنها إذا أخطؤوا، فأصبحت هي لهم كالملاذ الآمن عندما يقعون في ورطةٍ ما. هي من تساعدهم وتقومهم، لا عدوهم.

ذات مرةٍ شعرت رايتشل بالإحباط لفقدانها ثلاثة أجزاءٍ أنهت كتابتهم لكتابها الجديد.

وعلى قدر انزعاجها وإحباطها، إلا أن رد فعل ابنتها في مواساتها وتشجيعها بأنها أفضل كاتبةٍ على الإطلاق وتستطيع كتابتهم مرةً أخرى، جعلها تدرك أنه لولا توقفها عن الصراخ والإذلال والتوبيخ لم تكن ابنتها لتدعمها؛ بل كانت ستجهز عليها في لحظة ضعفها.

فما الحل إذن؟

تقول كاتيا هيتر في مقالٍ لها على موقع سي إن إن، إنها تعاني هي الأخرى من مشكلة التشتت نفسها بسبب الإلكترونيات، وخاصةً مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي البداية، كان من الجميل مشاركة صورةٍ لابنتها حديثة الولادة، ثم صارت ترسلها لكل من تعرف، ثم تشارك فيديو وراء الآخر إلى أن صار إدماناً.

نعم إدمانٌ، فهي لم تعد تهتم لابنتها قدر اهتمامها بإرسال صورٍ لها.

امتلأ الحوض بالأطباق المتسخة، والمنزل بالأتربة ولم تعد تعير أي شيءٍ اهتماماً سوى متابعة كل ما هو جديدٌ على صفحات التواصل الاجتماعي.

وفي مرةٍ بعد إلحاح ابنتها أن تترك (الآي فون) وتنتبه لها أدركت أنها بصدد إدمانٍ سيؤثر حتماً على ابنتها بالسلب.

فوالدتها تفضل الهاتف عليها، بل وتحبه أكثر منها.

عند إدراكها ذلك، بدأت بالفعل التخلص من الهاتف الملتصق بيدها ليل نهار، وبدأت تتفاعل مع ابنتها.

وبناءً على تجربتها، تعطي (هيتر) بعض النصائح لأي أمٍ تعاني من إدمان الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي. وإليكم نصائحها:

1- التحدث وجهاً لوجهٍ

تنصح الأمهات بتخصيص وقتٍ يوميٍ للحديث مع أبنائهم وجهاً لوجهٍ.

والحرص على ألا ينظر أيٌ من الطرفين باتجاهٍ آخر، ليتعودوا على التركيز مع الآخر في كلامهم وانفعالاتهم وملامحهم.

فذلك من شأنه تحسين مهاراتهم الاجتماعية وفهم مشاعر الآخرين وانفعالاتهم.

بالإضافة إلى كونه وقت للترابط، فأنت ترسلين لهم رسالةً غير مباشرةٍ أنهم مهمون ويستحقون ذلك الاهتمام.

2- أطفئي أي وسائل إعلامٍ في البيت

عندما تتحدثين مع أبنائك أطفئي كل شيءٍ؛ التليفزيون أو الكمبيوتر أو الألعاب أو أي تقنيةٍ أخرى قد تشكل مصدر إلهاءٍ أو تشتيتٍ.

فقديماً، كان يعتبر تشغيل التليفزيون أثناء الحديث مع أحدٍ أمراً فظاً وليس من الأدب.

اعتبريه الآن تهديداً لصحة أطفالك النفسية والعقلية أثناء حديثك معهم.

3- الاعتدال في الاستخدام

لا ضرر في استعمال الهاتف طالما اعتدت أنت وأبناؤك على تخصيص أوقاتٍ للتواصل بدون تشتيتٍ من قبل أي تقنياتٍ إلكترونيةٍ.

ومن المفيد أيضاً أن يتفاعل أبناؤك مع أصدقائهم من وقتٍ لآخر وجهاً لوجهٍ دون تدخل الهاتف أو غيره.

فالهدف هو نمو مهاراتهم الاجتماعية والتواصل.

4- لا هواتف على الطعام

أثناء تناول الطعام معاً يومياً، يمنع استخدام الهاتف.

فإذا استخدمت الأم الهاتف فهي لن تتواصل مع باقي أفراد العائلة.

فلتكوني قدوةً، وعلمي أبناءك التواصل الحقيقي على المائدة، لا الانقطاع عنهم لأجل التواصل على الإنترنت.

الخلاصة :

“الصراخ” من نتائج إدمان الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وحالة التشتت المستمر.

وهو عائقٌ في التواصل يباعد بين أفراد الأسرة الواحدة ويقوض الروابط بينهم.

وتختتم رايتشل مقالها على موقع هفنجتون بوست بمجموعة سطورٍ من كتابها:

المهم، هو أن الأوان لم يفت بعد للتوقف عن الصراخ.

المهم، أن الأطفال يسامحون وخاصةً إذا رأوا أن الشخص الذي يحبونه يريد أن يتغير.

المهم، أن الحياة أقصر من أن نضيعها في الغضب بسبب كوب حبوبٍ مسكوبٍ، أو حذاءٍ ليس بمكانه الصحيح.

المهم، أنه مهما حدث بالأمس، فغداً يومٌ جديدٌ.

اليوم يمكننا اختيار رد فعلٍ مطمئنٍ.

وبهذا نعلم أبناءنا أن السلام يبني جسوراً، وهي جسور الحب التي ستمكننا من عبور الأزمات.

نقلاً عن: ساسة بوست

التعليقات

تعليقات