إنَّ التحول الشكلي والنوعي لأنشطة الأطفال في هذه الأيام ، يُعد أحد العوامل التي أدَّت إلى تزايد انتشار الاضطرابات النفسيَّة بين أطفالنا؛ نظراً لضعف ممارسة الأنشطة الرياضية المنتظمة

عندما كنتُ طفلاً، كانت أغلب أنشطتنا الترفيهية في الإجازة الصيفية خارج منزل، وكان اللعب وممارسة الرياضة السمة الغالبة لقضاء أوقات الفراغ لدى الأطفال، ولم يكن اهتمام الوالدين بسلامة الأطفال وأمنهم أمراً مبالغاً فيه كحالنا اليوم، وكذلك لم يكن للأنشطة المنزلية – مثل: ألعاب الفيديو والكمبيوتر – مساحة كبيرة في حياة الأطفال .

تؤكد العديد من الدراسات على الأثر الإيجابي لممارسة الرياضة بشكل منتظم على الأداء العقلي والصحة النفسية للطفل؛ حيث تنمو الدورة الدموية المخية، ويزداد نشاط المخ والوظائف المعرفية بشكل مطرد مع ممارسة نشاط رياضي منتظم، وقد قام باحثون في ألمانيا بتسجيل النشاط الكهربي للمخ (EEG) لعينة من الأطفال في المرحلة العمرية (من 7: 9 سنوات) يمارسون الرياضة بانتظام لمدة تسعة أشهر، وعينة أخرى مماثلة لا تمارس نشاطاً رياضياً منتظماً، وقد جاءت النتائج في صالح الأطفال الذين يمارسون الرياضة بصورة منتظمة؛ من حيث: سرعة الاستجابة العقلية (information processing)، وزيادة التركيز والانتباه والمرونة المعرفية (cognitive flexibility).

و قد تنبّه الباحثون إلى إمكانية الاعتماد على “ممارسة الرياضة” كعلاج مساعد لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) لدى الأطفال؛ حيث ثبت علمياً أن الممارسة المنتظمة لنشاط رياضي تحسّن التركيز وتزيد الانتباه .

وفي هذا الإطار، أجريت العديد من الدراسات لإثبات فاعلية بعض التمارين الرياضية الهوائية (Aerobic activity) في زيادة تركيز الطفل المصاب، وتحسن درجة انتباهه، ومن ثمّ تطور أداؤه الدراسي، إضافة إلى الجهد المنظم الذي يبذله الطفل في ممارسة نشاط جسدي يومي خارج المنزل، مما يجعله أكثر هدوءاً عند عودته إلى المنزل، وأكثر تقبلاً لتوجيهات الأم.

كما تساهم الممارسة المنتظمة للأنشطة الرياضية في علاج أعراض القلق والاكتئاب بدرجة كبيرة، على المستويين النفسي والبيولوجي، الأمر الذي أكدت عليه عدة دراسات معتبرة في هذا المجال ، وتفسير ذلك: أن الرياضة المنتظمة تزيد من كمية وتركيز الناقلات العصبية بالمخ، مثل: السيروتونين (Serotonin)، والدوبامين (Dopamine)، والنورأدرينالين (Noradrenaline)، وتزيد كفاءة المستقبلات العصبية وإفراز عامل النمو المخي (BDNF)، وتعد الرياضة كذلك وسيلة جيدة لدمج الطفل المصاب في مجموعة، ومنحه الفرصة للتعبير عن نفسه، وتعرَّفه إلى ما منحه له الله عز وجل من إمكانيات ومواهب، وتزيد شعوره بأنه شخص مرغوب ومقبول لدى الآخرين.

أما الحديث عن أن ممارسة الرياضة تحمي من الإصابة بالاكتئاب، فلا توجد حتى الآن دراسة موثقة تؤيد هذا الطرح، ولا يزال البحث قائماً في هذا الأمر، إلا أنه مقبول من الناحية  التطبيقية؛ حيث تعتبر ممارسة الرياضة كنشاط يومي على رأس قائمة الممارسات الصحية للطفل، وقد يصعب مع ممارسة الرياضة أن يدور الطفل في فلك الأفكار السلبية التي تصيب المكتئب بحالات العزلة، كما يحدّ “تفريغ الطاقة الانفعالية” الذي يحدث خلال ممارسة النشاط الرياضي من عملية تخزين المشاعر السلبية.

في نهاية هذا المقال، أرجو أن تعود “حصّة الألعاب” مجدداً إلى مدارسنا؛ حيث كانت أرضاً خصبة لإفراز المواهب الرياضية في وقت مبكر، والعمل على تنميتها ورعايتها، لقد كانت ضماناً لممارسة النشاط الرياضي يومياً، بصورة مجانية، بين الساعات الدراسية والمكتبية الطويلة والمملة في أحيان كثيرة.

ساعة واحدة يومية من ممارسة الرياضة

تضمن بإذن الله لأطفالنا مستقبلاً صحياً خالياً من المشاكل النفسية والصعوبات التعليمية.

إعداد : الدكتور محمد الشيخ

تنسيق وتدقيق : فريق ابن خلدون 

التعليقات

تعليقات