إن اضطراب التوحد أو ( الذاتوية ) كما يُطلق عليه البعض ، أحد أبرز الإعاقات التي تصيب الأطفال  . حيث يتميز الطفل المتوحد بخلل نوعي في التفاعل الاجتماعي

وخلل في الاتصال اللفظي وغير اللفظي ، ومجال محدود من الاهتمامات ، كما تسيطر عليه سلوكيات متكررة بشكل دائم . و هو أحد الأشكال الأربعة لاضطرابات النمو .
الأشكال الثلاثة الأخرى لاضطرابات النمو :

  • اضطراب ريتز
  •  واضطراب الطفولة التفككي
  • واضطراب اسبيرجر.
    يمكن للآباء ملاحظة هذه الأعراض أو مقدماتها في مرحلة مبكرة من حياة الطفل (مع نهاية العام الثاني تقريباً)  لكن إذا كان الأبوان على مستوى من الخبرة في تربية الأطفال ، يمكنهم ملاحظة الأعراض قبل ذلك .

استطاع العالم ” Kanner ” وصف هذه الأعراض ، عام 1943 ، خلال دراسته الأولية لأحد عشر طفلاً ، تراوحت أعمارهم بين ( 2 : 8 ) سنوات . وقد اعتقد في بداية الأمر ، أن تلك الأعراض تشير إلى نوع من الانفصام أو الشيزوفرينيا .

تشخيص حالات التوحد ليس سهلاً . حيث يستخدم المختصون أساليب مسحية سريعة لجمع المعلومات الهامة عن نمو الطفل في الجوانب الاتصالية و الاجتماعية . إلا أن أفضل الطُرق وأكثرها فاعلية:  معاينة الطفل والمقابلة (المقننة نفسياً ) مع والديه ؛ حيث يفيد هذا الأسلوب في التطرق لجوانب النمو المختلفة لدى الطفل ، ويكشف عن أعراض التوحد . كما يجدر الاهتمام بإجراء فحوص أخرى لقياس كفاءة السمع وقياس مستوى الرصاص في الدم ، لكي تكتمل الصورة التشخيصية .

أعراض اضطراب التوحد :

أولاً : خلل نوعي في التفاعل الاجتماعي ، يظهر في اثنين من الأعراض التالية على الأقل :

← خلل واضح في عدد من السلوكيات غير اللفظية المستخدمة في تنظيم التفاعل الاجتماعي ، مثل : الاتصال بالعيْـن ، و تعبيرات الوجه . إذ لا يستطيع الطفل المتوحد التواصل مع الآخرين بالعين ، فتكون عيناه شاردتين للأعلى أو للأسفل دائماً ، دون النظر مباشرة إلى المتحدث .

← الفشل في تكوين علاقات مع الأقران ، تتناسب مع مرحلته العمرية ، حيث يميل دائماً للعب بمفرده .

← غياب المبادرة للمشاركة في الأنشطة الممتعة ، أو مشاركة الآخرين في أي إنجاز .

← فقدان التبادل العاطفي أو الاجتماعي .

ثانياً : خلل نوعي في الاتصال اللفظي وغير اللفظي ، يظهر في أحد الأعراض التالية على الأقل :

← تأخر أو غياب تام في اللغة المنطوقة ؛ فقد يتأخر الطفل المتوحد في نموه اللغوي عن أقرانه من نفس السنّ ، بشكل لا يتناسب مع نموه الجسدي .

← خلل واضح في المبادرة بالحديث ، أو مواصلة الحديث مع الآخرين .

← النمطية و التكرار في استخدام اللغة ، أو استخدامها استخداماً غير صحيح . حيث يردد الطفل المتوحد كلمات معينة ، قد لا تعني شيئاً ، ولا توصل معنى !

← غياب القدرة على اللعب التخيلي ، أو التمثيلي الاجتماعي ، بالشكل الذي يتناسب مع المرحلة العمرية للطفل .

ثالثاً: أشكال سلوكية ورغبات محدودة ومتكررة ونمطية ، تظهر في أحد الأعراض التالية على الأقل :

← استحواذ طاغِ لنمط محدود من الرغبات ، بصورة غير طبيعية ( من حيث الشدة و النوع ) . حيث يفضل الطفل المتوحد نوعاً واحداً من الطعام ، فلا يأكل غيره ، كما يفضل شيئاً من ملابسه ، فلا يريد ارتداء غيره.

← تعنّت ظاهر في الالتزام بالروتين ، أو بعض الشعائر .

← عادات حركية متكررة و نمطية ، حيث يصدر الطفل المتوحد بعض الحركات المتكررة .

← الانشغال المستمر بأجزاء محددة من الأشياء .

أشكال التوحد و صوره :

يعتمد علاج التوحد بدرجة كبيرة على تشخيص حالة المصاب بدقة . و يعتمد التشخيص على توفر شروط سلوكية معينة . و يستدعي الكلام حول العلاج ، كلاماً حول أشكال التوحد و صوره ، و هي :

♦ التوحد التقليدي :

هذا النوع هو الشائع . من أعراضه : تكرار الكلام ، وضعف القدرة على تبادل الأفكار والآراء والمعلومات قوْلاً أو كتابة أو حتى باستخدام الإشارة . ولا يستطيع مصاب هذا النوع من التوحد النظر إلى أعين الآخرين أو وجوههم ، كما ينعدم تفاعله الاجتماعي ، وقدرته على تكوين علاقات اجتماعية أو كسب الأصدقاء ، أو مجرد التعبير عن الاحتياجات الشخصية ، كما يميل إلى الوحدة والانعزال ، ولا يعبر عن عواطفه تجاه غيره ، سواء كانت جسدية أو نفسية .

♦ متلازمة ريت ( Rett Syndrome ) :

لا تختلف كثيراً عن الاضطراب التوحدي إلا من حيث وجود صغر في محيط الرأس . و يصيب هذا النوع ( الإناث ) دون الذكور، حيث يصيب ( واحدة من كل 10 آلاف ) . و قد أوضحت تقارير طبية مؤخراً أن الجين المرتبط بكروموسوم ( X ) هو العامل الرئيس المسبب لمتلازمة ريت .

♦ متلازمة هيللر ( Heller Syndrome ) :

يُعرف هذا النوع أيضاً بـ ” الاضطراب النمائي غير المنضبط ” . و يعتبر هذا النوع أشد الأنواع خطورة ؛ بسبب التأخر الذهني الشديد الذي يميز المصابين بهذا النوع . يرجع ذلك لحدوث تغيرات ملتفة في التخطيط الدماغي تؤدي في معظم الأحيان إلى نوبات صرع شديدة .
ينشأ هذا النوع بعد فترة تطور طبيعية ، تبدأ في العامين الأوليْن من العمر . حيث يُلاحظ تأخر الطفل في اللغة والتواصل ، وتأخره في المهارات الاجتماعية ، وضعف قدرته على السيطرة على التبول ، وضعف مشاركته في مجال اللهو و اللعب ، وضعف مهاراته الحركية ، مثل : تقليد الآخرين ،، وغيرها من المهارات التي يستطيعها الأطفال في تلك المرحلة العمرية .

♦ متلازمة اسبرجر ( Asperger Syndrome ) :

لا يختلف عن الشكل السابق كثيراً ، غير أن المصاب باضطراب اسبرجر لا يعاني من تأخر ملحوظ في مجالات اللغة و المعرفة و المهارت السلوكية . وقد أثبتت الدراسات أن هذا النوع من التوحد يُعتبر أكثر الحالات تقدّماً ؛ إذ يتميز المصابون بمتلازمة اسبرجر بتفوق ملحوظ في التواصل والحوار والتفاعل مع المحيط الخارجي ، ولا يعانون من التأخر الشديد كغيرهم من الحالات .

في المقال القادم ،
نستعرض أسباب هذا المرض ، و العلامات التي يجب على كل أم أن تبحث عنها في طفلها للتأكد من إصابته بالتوحد من عدمه ، و سبل العلاج المتاحة ..

إعداد : الدكتور محمد الشيخ 

تنسيق وتدقيق : فريق ابن خلدون

التعليقات

تعليقات