لا يزال السؤال الأكثر شيوعاً لدى المتخوفين من التعليم المنزلي : ( ماذا عن التنشئة الاجتماعية للمتعلمين منزلياً ؟ ) 

و للإجابة على هذا السؤال ، يتعيّن عليكَ في البداية ، فهم المقصود بمصطلح ” التنشئة الاجتماعية ” . حيث يشير هذا المفهوم إلى التفاعل الاجتماعي استناداً إلى فهم وتعلم كيفية التعامل مع الأعراف الاجتماعية السائدة وضوابط السلوك العام .

ويرى كثير من الباحثين أن التفاعل مع الأقران في المدرسة ، مكون أساسي لعملية التنشئة الاجتماعية ،، في حين يرى الآباء المعلمون منزلياً أن هذا الجانب من التنشئة الاجتماعية في المدرسة يفرز سلوكاً غير سوي لدى الأطفال ، وأنّ أصح تنشئة اجتماعية يكتسبها الطفل عبر تجارب الحياة والعائلة ، تلك الحياة التي تتضمن الاتصال بفئات عمرية مختلفة وغير متجانسة .

  تخبرنا نتائج البحوث أن الأطفال المتعلمين منزلياً اجتماعيون بما يكفي لتعلم عادات المجتمع والتفاعل مع عناصره ، وهذا ما أكدته الخبرات التي نُقلت إلينا عن أطفال تعلموا منزلياً . بل وجدنا أن لدى الكثير من الأطفال ( ممن تلقوا تعليمهم منزلياً ) شبكة علاقات واسعة وخارطة أنشطة اجتماعية فعالة ؛ حيث يشتركون في الرحلات الميدانية أو صفوف الباليه أو ينضمون لأي نوع من الرياضات والألعاب الجماعية ودروس الموسيقى وجمعيات التعليم المنزلي وحتى دروس الجامعات أو دورات الالتحاق الثنائية في المدارس المحلية ، وهم قادرون على الاندماج بشكل عام في الجامعة أو أماكن العمل دون عقبات . 
ومع ذلك ، فليس كل المتعلمين منزلياً على نفس الدرجة من التفاعلية ، فبعضهم لا يلقى القدر المطلوب من التنشئة الاجتماعية ، وفرصتهم في التفاعل الاجتماعي محدودة جداً ، وقد يُصاب بعضهم بحالة من ” رهبة المجتمع ” والخجل الشديد من التعامل مع الناس . ويعود ذلك بالأساس إلى قلة الأنشطة الاجتماعية التي يشتركون فيها ، أو ضعف محتوى هذه الأنشطة وعدم كفايتها لتنمية شخصيتهم الاجتماعية .

والسؤال الآن ،
كيف يقدم التعليم المنزلي فرصاً للتنمية والتفاعل الاجتماعي لبعض الأطفال ، ولا يقدمها للبعض الآخر ؟ 
والجواب ببساطة : أن التعليم المنزلي مسؤولية ( أسرة ) ، وكل طفل متعلم منزلياً يختلف عن الآخر . فقد يسمح وضع أسرة ما أن يكون لطفلها دائرة اجتماعية واسعة تتضمن العديد من الأنشطة ، إلا أن وضع أسرة أخرى لا يسمح بذلك إلا في أضيق الحدود . بما يعني أنه ليس هناك تجربة تقبل التعميم .
ومن نفس المنطلق ، قد يجد الأطفال الذين لجؤوا للتعليم المنزلي تجنباً لما يلقونه في المدرسة من ( بلطجة ) أن التعليم المنزلي تجربة اجتماعية إيجابية ، في حين يجد الأطفال الذين يخضعون لسيطرة الوالدين وتحكمهم البالغ في نشاطهم أن التعليم المنزلي تجربة معيقة اجتماعياً . وكذلك من الناحية السيكولوجية الفردية لكل طفل – حتى مع نفس عدد الأنشطة والمنافذ الاجتماعية – ربما يجد الطفل الانطوائي بطبيعته أن التعليم المنزلي نموذج مثالي ، بينما يشعر الطفل الأكثر انفتاحاً أن التعليم المنزلي يدفعه إلى الوحدة .

لقد وجد الباحث ” براين راي ” ، في دراسة أجراها عام 1997 ، أن الأطفال المتعلمين منزلياً اشتركوا في أنشطة اجتماعية بمتوسط 2.5 نشاطاً أسبوعياً ، شاملة الرحلات الميدانية والتجمّعات الدينية والرياضات الجماعية وفصول الموسيقى والعمل التطوعي ، وغيرها . وقد وجد أيضاً أن 13% من أطفال العينة التي أجريت عليها الدراسة ، لم يلعبوا مع أشخاص خارج عائلتهم من قبل ، مما يشير إلى مدى انعزال المتعلمين منزلياً اجتماعياً بدرجة أكبر مما يذكره المتحمسين لفكرة التعليم المنزلي .

وبصرف النظر عن كون ” راي ” قد اعتمد في بحثه على المتطوعين ، بدلاً من إجراء الدراسة على عينة عشوائية ، وبصرف النظر أيضاً عن أن الفرص الاجتماعية المتاحة للمتعلمين منزلياً قد ازدادت في العقدين الأخيرين ، إلا أن نتائجه تسلّط الضوء على أنه من الخطأ افتراض أن كل الأطفال المتعلمين منزلياً مندمجون في عدد كبير من الأنشطة الاجتماعية خارج حدود المنزل .

وقد أظهرت نتائج الدراسات التي أجريت على المتعلمين منزلياً خلال الثلاثة عقود الماضية ، أن الطلاب المتعلمين منزلياً يفوقون أقرانهم من المتعلمين مدرسياً في العديد من اختبارات المهارات الاجتماعية . وذلك باعتماد تلك الدراسات على أساليب ( الملاحظة ) ، و( الاستبيان ) المصمم لقياس المهارات الاجتماعية ، و( المقابلة ) المجراة مع خريجين تلقوا تعليمهم منزلياً .
إلا أن تلك البحوث واجهت نقداً فيما يتعلق بـ :
1- العينة التي أجريت عليها الدراسات ؛ إذ اعتمدت في أغلبها على عينات صغيرة الحجم ، وبمشاركة متطوعين لا يعبرون بالضرورة عن مجتمع التعليم المنزلي .
2- ما اعتمدت عليه تلك الدراسات من تقييمات شخصية للآباء والأبناء ، وما يشعرون به من ضغط المسؤولية .
( لإثبات أن التنشئة الاجتماعية ليست مشكلة ذات أثر يُذكر على النتائج ) .
3- التحيز الذي يشوب نتائج الدراسات ؛ إذ أُجريت على يد أشخاص يتحمسون لفكرة التعليم المنزلياً .

بالإضافة إلى ذلك ، يُلاحظ أن الفروق بين هذه الدراسات بسيط جداً ، حيث يشيرون غالباً إلى أن الأطفال المتعلمين منزلياً لديهم نسبة قليلة من الأصدقاء الأقران ، وهم على درجة قليلة أيضاً من التفاعل معهم . لكن المدافعين عن التعليم المنزلي فسروا هذه النتائج بشكل إيجابي ؛ حيث رأوا أن المتعلمين منزلياً أقل اعتماداً على الأقران ، وبالتالي فهم أنضج اجتماعياً .
لكن أشارت دراسات أخرى إلى معاناة المتعلمين منزلياً من الوحدة والعزلة الاجتماعية ، وأن أولئك الذين حظوا بفرص اجتماعية أقل خلال تعليمهم المنزلي أظهروا انطباعات أقل إيجابية عن تجربة التعليم المنزلي ، من أولئك الذين حظوا بفرص اجتماعية أكبر . مما يشير إلى أهمية درجة التفاعل الاجتماعي المتاحة للأطفال خلال تعليمهم المنزلي من أجل تجربة أجود وأنفع . ( سيكيس 2004 )

 لدينا استطلاع رأي واحد فقط : أجري على الخريجين المتعلمين منزلياً بالاعتماد على عينة عشوائية ، وهو استطلاع (Cardus Education) لعام 2011 . وقد اعتمد هذا الاستطلاع على الموازنة والمقارنة بين تجارب شخصية لأناس تترواح أعمارهم بين 24 و39 عام تربوا في عائلات ملتزمة دينياً .
وأظهرت نتائجه أن : عاملي ( عدم وضوح الهدف والإحساس بالاتجاه ) و( الشعور بالعجز عن حل مشكلات الحياة ) ، كانا أكثر ظهوراً لدى أغلب المتعلمين منزلياً ، وبدرجة أكبر من خريجي المدارس العامة .
و بذلك تدعم هذه النتائج ما ورد عن بعض المتعلمين منزلياً من شعورهم بالاكتئاب والوحدة ورهاب المجتمع والاغتراب الثقافي .
ولقد وُجه نقد إلى نتائج هذا الاستطلاع ؛ فبالرغم من اعتماد هذا الاستطلاع على عينة عشوائية ، إلا أنه يركز على الشباب الذين نشؤوا وسط أسر متدينة ، لذا من الخطأ تعميم النتائج على كل المتعلمين منزلياً . فضلاً عن ذلك ، لقد أجري هذا الاستطلاع على ” خريجين ” تعلموا منزلياً ، وبالتالي فإن نتائجه أثر مطابقة لواقع التعلم المنزلي منذ عشر أو عشرين سنة ، وليس الآن .

مع ذلك ، من المهم الاعتراف بأن نتائج استطلاع Cardus تشير إلى جانب آخر للقصة ، غير ذلك الجانب الإيجابي الذي تؤكد عليه بحوث التنشئة الاجتماعية التي أجريت على مدار الثلاثين عاماً الماضية .

وأخيراً ، يمكن للأطفال المتعلمين منزلياً الاندماج مع المجتمع ، بتقاليده وثقافته ، والتفاعل مع الأقران ، بما يمارسونه من أنشطة خارج حدود المنزل . إلا أنه من المهم الاعتراف بأن الأطفال المتعلمين منزلياً ليسوا بالضرورة متفاعلين اجتماعياً ! يتوقف هذا الأمر على مدى حرص الوالدين على تنشئة أبنائهم اجتماعياً بشكل لا يصرفهم إلى الوحدة والعزلة عن مجتمعهم . وليس بإمكان كل الأسر القيام بهذه المهمة بالشكل الأمثل . 
فبعض الأطفال يشعر بالوحدة ويحتاج إلى مزيد من التفاعل الاجتماعي ، وبعضهم جيد اجتماعياً لكنه غير قادر على التفاعل مع الأقران ، والبعض الآخر يتفاعل بشكل جيد اجتماعياً في المجموعات المتجانسة فقط ، ويشعرون بالاغتراب الثقافي عند الخروج عن هذه المجموعات .
وبعبارة أخرى ، يمكن أن نقول أن التنشئة الاجتماعية ليست متضادة مع مفهوم التعليم المنزلي ، إلى أنها تحتاج المزيد من الانتباه والوقت والتخطيط .

التعليقات

تعليقات