يُعدّ الطفل مركز عملية التربية وأساسها . وعليه يتوقف نجاحها أو فشلها .

فكلما كانت أسس العملية التربوية ( من حيث المناهج ، والأسلوب ، والمعلم ) أوثق صلة بميول الطفل وتطلعاته ، زادت فرصتها في النجاح ، وزادت قدرتها على إمتاع المعلم والمتعلم معاً .

وبالنظر إلى العملية التربوية في ” المدرسة ” ، نلاحظ تأثرها بالعديد من العوامل الخارجية ، مثل : الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، المقررات الدراسية ، فضلاً عن طرق التدريس الرسمية ( البيداغوجية ) ، ونظم التوظيف ، ومنهجية بناء المؤسسات التربوية .
و لمثل هذه الأمور أثرها البالغ على تربية الطفل داخل منظومة المدرسة ، خلال أهم فترات حياته وأكثرها حساسية ؛ حيث تُبنى شخصيته وينمو ذكاؤه بالشكل الذي يؤثر عليه بقية حياته .

وإذا اعتبرنا أن الطفل المدرسي يقضي معظم وقته بين المدرسة والإعداد لها ، فإن ترك بناء شخصيته معرفياً ووجدانياً لصراعات السياسة وتقلبات الاقتصاد ، يُعدّ بمثابة جرم تربوي في حق هذا الطفل . أضف إلى ذلك ، أن هذا الطفل يتلقى العلم في الغالب عن معلّم غير مؤهل تربوياً ، ويندمج معظم الوقت مع أقران بنفس مستوى خبرته من العلم والتربية .

لقد كانت الأسرة منذ القدم مدرسة الإنسان الأولى . ومَن يتأمل تاريخ علم التربية ، يعي جيداً أن المدرسة النظامية أول ما أنشئت ، كانت تهدف لتربية النشء على كل ما يدعم السلطة ويحافظ عليها . وما حال نظم التعليم المعاصرة عن ذلك ببعيد .

وتعدّ التربية محدداً أساسياً لمستقبل الإنسان وأمته . فليست التربية عملية ذات معنى ، إن لم يكن هدفها ابتداءً بناء إنسان يؤمن بالقيم الإنسانية ، ويؤمن بذاته والرسالة التي خلق من أجلها . كما يجب أن تهدف لبناء فرد قادر على التغيير ، ويُغيّر بحرية حقيقية ينتصر بها الإنسان على نفسه .
تلك هي التربية التي تقود الإنسان لمستقبل أفضل ..

لا تستقيم تربية الطفل بإصدار الأوامر والتوجيهات وحدهما ؛ فلكل منهما قدره ودوره ووقته المحدد . وإنما تكون التربية السليمة بالقدوة الحسنة . فالطفل لا يفعل ما تقول ، بل يقلد ما تفعل .

مثال : عندما يضرب طفل والديه ، فيعاقبانه بالضرب ، فإنهما في واقع الأمر لم يقوّما سلوكه وإنما يكرسان لدى الطفل معنى الضرب وجدواه ، فيفهم ( الضرب ) على أنه وسيلة للتعبير عن الغضب والانزعاج ، ناهيك عن الضرر النفسي الذي يُلحقه العنف بالطفل .

والمُربّي الناجح ، يحرص على سلامة تصرفاته أمام طفله منذ ولادته ، بل منذ أن يكون جنيناً . فيسعى أن ينشأ الطفل في بيئة أسرية سعيدة مفعمة بالحب والاحترام المتبادل بين الأبوين ، بما ينعكس إيجابياً على نفسية الطفل . والعكس صحيح .
وتجدر الإشارة إلى أن التصرف السليم المسؤول من الأبوين حال اختلافها ، هو حل هذه الخلافات بعيداً عن الطفل ، بحيث لا يسمع ولا يرى ولا يشعر بشيء منها .

ولتعلم عزيزي المربي ، أن التربية ” أسلوب حياة ” يستحق أن تعيشه مع طفلك لتشعرا معاً بمتعة التعلم . فطفولة الفرد وشبابه أجمل مراحل عمرها وأكثرها حيوية ونشاطاً وإبداعاً .. هكذا تقول الفطرة ، وهكذا يُقـرّ العلم ، وهكذا جاء الإسلام ..
لكن حقيقة ما يحدث ، أننا نسلب الطفل مُتعة أول ثماني عشرة سنة من عمره في دوامة تحصيل الدرجات وحشو المعلومات بدعوى التفوّق و( الإعداد للحياة ) !
وننسى في ثنايا ذلك أن التربية مسؤولية عظيمة ، وهي أعمق من مجرد الرعاية الصحية وتوفير الأمن والغذاء وتعليم علوم الدين والدنيا . بل تتمثل في اختيار الأفضل لأبنائنا دائماً . وتكمن البطولة التربوية في خلق ذلك (الأفضل ) إن لم يكن متوفراً بالفعل . وإن كان جوهر الإسلام ( الإحسان ) في كل شيء ، فكيف بأرقى مهمة إنسانية ” التــربية ” .

يقدم التعليم المنزلي خيار حياة أفضل لكم ولأطفالكم ، بحيث يجعل التربية أسلوب حياة تعيشونه معاً . وإليكم رسائل قصيرة تهم كل من يعلّم طفله منزلياً :

تقتضي الانطلاقة التربوية السليمة مراجعة المربي لذاته أولاً .
العجلة والحماس المبالغ فيه خطأ تربوي شائع .
المربي الأمثل هو الذي يهتم بتربية نفسه أولاً .
الطفل أمانة ، وبتحملّك مسؤولية تعليمه تتضاعف الأمانة ، ولا يمكنك إتقانها دون إعطاء حق نفسك .
أعطِ نفسك وقتاً كافياً لفهم ابنك ، من خلال مراقبة تصرفاته وردود أفعاله وتعابيره الجسدية واللفظية ، وانفعالاته واهتماماته .
(
شجّع طفلك على التعبير عن نفسه ، بحسن الاستماع والابتعاد عن اللوم والنقد والمقارنة
ليكن تعاملك مع طفلك بناء على ما استنتجته من مراقبتك له .

شارك ابنك اهتماماته ومواضع شغفه . واصنع منها برنامجاً أسرياً ممتعاً .
(
تعلّم أن تحب ما يحبه طفلك ، ولا تكن علاقتك باهتمامته علاقة تلبية دون رغبة
شعور الطفل بحبك له ولاهتماماته يمكّنك من وضع خطة تربوية استراتيجية تغرس فيه القيم والمعاني أثناء مشاركته في مواضع شغفه .
تعلّم كيف تحاور طفلك ، وتتحدث إليه ناظراً في عينيه . لا سيما في السنوات الأولى من عمره . فإذا حاورته صغيراً ، حاوركَ بالغاً .
تلبيتك الدائمة لرغبات طفلك خطأ تربوي يؤدي به إلى الأنانية والتواكل مستقبلاً . ويخلق فرداً غير متحمل للمسؤولية .
ابنك أهم مشروع في حياتك ، وفي سبيل نجاحه ، يحتاج منك الصبر والتخطيط والمتابعة والبحث.
لا تركز اهتمامك في تربية طفلك على جانب دون آخر . وقد جاء الإسلام بمنظومة التربية المتكاملة التي أكدها العلم متمثلة في أركان أربعة ( الروح ، النفس ، العقل ، الجسم )

لديك فرصة أكبر من غيرك في فهم ابنك والقرب منه ، فلا تضيعها .
(
تعلّم كيف تحبه حباً غير مشروط ، فالطفل الذي يحظى بالحب والاحترام يكون أكثر نجاحاً وتوازناً في مستقبله .
تجنّب المقارنة بينه وبين غيره ، فلكل طفل هويته الخاصة بمميزاتها التي يجب عليك احترامها .

خصص لابنك وقتاً خالصاً له وحده .
امنحه الحرية مبكراً ، ولا تمارس الوصاية على عقله وروحه . بما يجعله أكثر اتزاناً تجاه حريته وحريات الآخرين .
دعه يحلم ، وشجّعه على ذلك ، فالحلم والخيال مفتاح الخيال والإبداع .

ملاحظة :
نقصد بلفظ ( التربية ) هنا ، التربية والتعليم معاً .

إعداد : مريم الإدريسي

تنسيق وتدقيق : فريق ابن خلدون

التعليقات

تعليقات