يبدو تاريخنا البشريُّ زاهياً راقياً؛ استطاع الناس فيه غزو الفضاء، وإنشاء البنايات الرائعة، وهاهم يقدمون كل يومٍ تطوراً جديداً 

في عالم الاتصالات والمواصلات واكتشاف جسم الإنسان والأحياء من حولنا، مع تطوير نظم الإدارة والاقتصاد وتوفير الراحة والرفاهية لأنفسهم…

 إلا أنَّ هذا التاريخ ذاتَه في غاية القبح والسوء إذا ما نظرت إلى تعامله مع الله سبحانه وتعالى!!

.. نعم، رغم أنّ الله عز وجل لم يبخل على بني آدم بشيء من متاع الدنيا، فمهّد لهم الأرض، وجعل فيها السهول المؤهّلة للسكن، والزراعة، وجعل فيها الطرق، والجبال والأودية، والأنهار، والبحار، وخلق لنا فيها النباتات؛ طعاماً، وزينةً، وبهجةً، وأمدّنا بالماء، وصرَّف لنا الرياح، ولوَّن لنا الطعام، وكسانا الملابس، وأسكننا المنازل، وأعطانا ما يقينا به شرَّ البرد والمطر والحر…

الإنسان من دون سائر المخلوقات يأكل من لحم الطيور والحيوانات والأسماك، يأكل الخضر والفاكهة والأعشاب، يأكل الطعام نيئاً ومطبوخاً ومشوياً.. يأكله مملحاً ومتبلاً، وغيرنا من الكائنات له طعامٌ واحدٌ يأكله – عادةً – على هيئةٍ واحدة…

يعيش الإنسان في البلاد الحارة وفي البلاد الباردة، وغيرنا من الكائنات لا يتكيف إلا مع بيئةٍ واحدةٍ، وقد يهلك إن تغيرت!

يستر الإنسان جسده بثيابٍ في الصيف، وأخرى في الشتاء.. وسائرُ المخلوقات عرايا..!

.. سخَّر الله ما في الأرض لنا، فمنها ما يخدمنا مباشرةً كالدواب التي نأكلها أو نركبها، أو بطريقٍ غير مباشرٍ كالذي يحفظ لنا توازن البيئة مثلا…

جعل الله للإنسان عقلا يطوِّر به حاله، ويتكيَّف به مع واقعه، فحياة الإنسان اليومَ غير حياته بالأمس…

وزيادةً على هذا: أرسل لنا الرسل التي تذكِّرنا بعهده ووعده (إن آمنا به وعبدناه أن يشكر لنا ذلك، ويرزقنا الجنة خالدين فيها أبدا)،  وجعل لكل رسولٍ آيةً تؤيد صدقه، وأنزل لنا الكتب…

ولما بالغ بنو آدم في نسيان كل هذا والإعراض عنه، وكفران نعمه – سبحانه – ، أرسل لهم الآيات التي تدعوهم للتغيير؛ فتارةً: يضيَّق عليهم أرزاقهم، وينزل عليهم المصائب والأمراض، ويوقع بهم الكوارث؛ لعلّهم يخافون فيتوبوا إليه، وتارةً: يوسّع عليهم أرزاقهم، وييسر معايشهم، ويؤتيهم النعم العظيمة؛ لعلهم يعرفون فضله فيشكروه…

ومع كل ذلك فإنَّ أغلب البشر في كل جيل مازالوا معرضين، لا هَمَّ لهم إلا التوسع في دنياهم، والاستزادة من نعيمها؛ حتى إذا رأوا الضيق والعنت في العيش والمصائب نسوا سائر النعم التي يتمتعون بها، وسخطوا وقنطوا، وأقبلوا على مزيد من الدنيا ليحصِّلوا شيئا من متاعها الذي يتمنونه.

وإذا رأوا سعة العيش ويسر الحياة ووفرة النعمة نسوا ربهم ونسبوا ذلك إلى أنفسهم وجحدوا صنعه سبحانه لهم واستكبروا وطغوا…!

هذه المعاملة السيئة من البشر لربهم لم يقابلها سبحانه بالهلاك والمحق، بل قابلها بالحلم والصبر … فكان يرسل الرسول، ويأمره بالصبر على أذى قومه، وبالرفق معهم، وخفض الجناح لهم؛ لعلهم – يوما ما – أن يفيقوا…

فإذا بلغ بهم الطغيان والفجور مدىً بعيداً، وتمكّن الكفرانُ من قلوبهم إلى حدٍّ لا رجوع معه، أهلكهم مع الأسف الشديد.. {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55].

وبالرغم من علمه بهم وقدرته عليهم يعطي الفرصة كاملةً لمن بعدهم، حتى يقيمَ الحُجّةَ على كل أمّةٍ من البشر من أنفسهم؛ فيرسل رسولا آخر يدعو الناس ويأمره أن يرفق بهم ويصبر عليهم.. ويرجو لهم أن يؤمنوا فتصيبهم رحمتُه، ولكن – للأسف – كان أكثرهم يكررون سيرة مَن قبلَهم في الطغيان والبعد حتى يستنزلوا بأس الله وغضبه عليهم… ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إعداد : فريــق ابن خلدون 

 

التعليقات

تعليقات