إنَّ العلاقة الصحيحة بين الإيمان والعمل الصالح كالعلاقة بين الماء والبذرة، حيث يُمثِّل الإيمان البذرة، ويُمَثِّل العمل الماء

 فإذا سقينا الأرض بالماء دون وجود بذور في تربتها فلن يُثمر هذا الماء – مهما كَثُر – أي إنبات، وفي المقابل لو وضعنا البذور في باطن الأرض ثم لم نسقها ونتعهدها فلن تُنبت أيضاً.

فلو انصب اهتمامنا على عمل القلب ولم نهتم بالعمل الصالح سيكون الإيمان محدودًا، ولو قفزنا إلى العمل الصالح دون وجود الإيمان في القلب فلن يكون هناك نتيجة من ورائه ؛ فالاستغفار – مثلا ً– هو طلب المغفرة من الله عز وجل عما قصَّرنا وأخطأنا في حقه، هذا الطلب يُترجمه اللسان في كلمات محدودة، ولكن ينبغي أن تصدر هذه الكلمات من قلب يشعر بالندم على ما فعلنا في حق الله؛ لكي يكون الاستغفار مقبولاً عند الله، ولكي يزيد الإيمان في القلب فلا نقع في الخطأ مرة أخرى، فإن حدث وقفزنا إلى الاستغفار باللسان دون وجود مشاعر الندم فلن يؤدي هذا إلى زيادة إيماننا بالتقصير نحوه سبحانه، ومن ثم لن يمنعنا من الوقوع في الخطأ مرة أخرى، إضافة إلى أنه سيكون استغفاراً شكلياً يحتاج إلى استغفار أصلاً؛ لأننا حين نفعل ذلك نكون كالولد الذي أخطأ خطأ كبيرًا في حق أبويه، ثم ذهب يعتذر لهما بلسانه وهو يضحك وكأنَّه لم يفعل شيئًا!! ألا يجعل ذلك أبويه يزدادان ضيقًا منه لأنه لم يعتذر اعتذاراً حقيقيّاً، ولم يستشعر حجم خطئه؟

فلا بد من الأمرين معًا: عمل القلب، وعمل الجوارح.. الإيمان والعمل الصالح.

والقرآن مليء بالآيات التي تربط بين الاثنين لينتبه المسلم إلى أهميتهما معًا، فلا يهتم بأحدهما ويُهمل الآخر: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]، {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112].

الإيمان أولًا:

ليست العبرة بكثرة الأعمال التي يقوم بها المرء، بل العبرة بمقدار تجاوب القلب معها وتأثره بها، وانفعال مشاعره معها؛ فإن لم تتحرك المشاعر لن يزداد الإيمان، ومن ثَمَّ لن يظهر أثر الطاعة على السلوك، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر عندما يتحرك القلب، وتنفعل المشاعر معها، فيؤدي ذلك إلى زيادة الإيمان لينتج عنه زيادة الورع والدافع الداخلي لفعل الخيرات وترك المنكرات.

فإن لم يتحرك القلب ويخشع في الصلاة، أصبحت تلك الصلاة حركة بالعضلات فقط، ومن ثَمَّ لا يظهر لها أثرٌ إيجابيٌّ في السلوك، وهذا يُفّسر لنا ظاهرة عدم وجود أثر للعبادات الكثيرة التي نؤديها على سلوكنا ومعاملاتنا.

لذلك كان من دعاء النبي: «أعوذ بك من صلاة لا تنفع».

وقال عبد الله بن عباس: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّر خير من قيام ليلة والقلب ساه».

فإحسان العمل مقدم على الإكثار منه بالجوارح فقط.

وإحسان العمل يعني الاجتهاد في حضور القلب وتوجّه مشاعره نحو الله عز وجل، وتستدعي كذلك موافقته للسنة.

فالعمل القليل مع حضور المشاعر أفضل من العمل الكثير بدون حضورها، أو حضورها بصورة قليلة محدودة.

إعداد : فريق ابن خلدون 

التعليقات

تعليقات