إن اضطراب العمليات الحسابية يعني: أن يجد الطفل صعوبةً في تحقيق الإنجاز الدراسي المتوقع منه في المواد الحسابية.
وقد يتمثل ذلك في ضعف القدرة على إجراء العمليات الحسابية البسيطة كالجمع و الطرح و الضرب و القسمة ، كما يتمثل في عدم تذكر أشكال الأرقام ، و قلة الانتباه بشكلٍ لا يتناسب مع المعدل العام لذكاء الطالب، ولا يتناسب مع معدل الإنجاز العلمي المرجو تحقيقه ممن هم في مثل سنه .

وربما يصاحب ” اضطراب العمليات الحسابية ” اضطرابٌ في القراءة أو اللغة .
وتصل نسبة المصابين بهذا الاضطراب إلى ستةٍ بالمائة 6 % من طلاب المراحل التعليمية المختلفة .
ورغم أن معدلات اضطرابات التعلم ترتفع بين الذكور أكثر من الإناث، إلا أن اضطراب العمليات الحسابية يكون مرتفعاً بين الإناث أكثر من الذكور.

ولقد وجد العلماء ، بعد دراساتٍ عدةٍ، أن الإصابة باضطراب العمليات الحسابية ربما تعود إلى الاستعداد الوراثي لدى المصابين، كما توصلوا إلى وجود خللٍ في الفص الأيمن الخلفي من المخ لدى المصابين، و يحتوي هذا الجزء من المخ على المراكز المسؤولة عن تنظيم المثيرات البصرية واستدعاء الصور والأشكال بمعانيها المختلفة ، كما يحتوي على مراكز العمليات الحسابية.

وجديرٌ بالذكر أن الولادة المبكرة وسوء التغذية، من العوامل الممهدة للإصابة باضطراب العمليات الحسابية خاصةً، واضطرابات التعلم عامةً.

من أعراض اضطراب العمليات الحسابية :

أن يلاقي الطفل صعوبةً شديدةً في تعلم أسماء الأرقام، وضعفاً في القدرة على تذكر العلامات الحسابية كالجمع والطرح، فضلاً عن ضعف القدرة على إجراء العمليات الحسابية البسيطة ( حتى بين رقمين )،وبدرجةٍ أقل حدةٍ لا يستطيع تعلم جدول الضرب .

وعادةً ما يسهل التعرف على هذا الاضطراب بشكلٍ مبكرٍ في السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية ، أي بين سن الخامسة والثامنة. وإذا لم يلق المصاب الاهتمام الكافي بمشكلته، ربما يواجه صعوباتٍ تعليميةً و أكاديميةً في المستقبل، فضلاً عن تعرضه للإحباط و الاكتئاب.

من أجل ذلك ، يكون التدخل المبكر لعلاج اضطراب العمليات الحسابية بمثابة الطريق الأمثل للنجاح في تعليم الطالب مهارات التعرف على الأرقام و الرموز الحسابية في المراحل التعليمية الأولية ( أي منذ فترة الحضانة ).
إضافةً إلى ذلك ، يلعب استخدام الكمبيوتر والوسائل التعليمية الأخرى، دوراً هاماً في علاج اضراب العمليات الحسابية.

# نموذج :

طارقٌ عنده ( ثمانية أعوامٍ ) ؛ تمت إحالته للفحص و التقييم و العلاج من مشكلة تأخر الانتباه ، و التأخر الدراسي ، الذي تمت ملاحظته مبكراً منذ فترة الحضانة .
إلا أن الوضع استمر ، ليشمل صعوباتٍ مدرسيةً أخرى ، وكذلك صعوباتٍ في البيت . ويدرس طارقٌ الآن بالصف الثالث الابتدائي بإحدى المدارس الحكومية .

وقد أظهر تاريخ التطور والنمو لطارقٍ، تأخراً طفيفاً في النطق ، حتى سن ( عامٍ و نصفٍ ) ، حيث اقتصر نطقه على عددٍ قليلٍ من الكلمات . وفي سن الثالثة ، استطاع تركيب جملٍ بسيطةٍ . وقد كان تاريخ تطوره ونموه في السياق الطبيعي ، إلى أن وصل سن الروضة ، حيث لاحظت المعلمة قصوراً في انتباهه ، وصعوبةً في تنفيذ الأوامر البسيطة أو عد الأشياء حتى ذات الرقم الواحد.

وبفحص قدرات طارقٍ ( سمعياً وبصرياً ) لم تظهر الفحوص أي علاماتٍ مرضيةٍ بحاستي السمع والبصر.
في حين أظهرت علاماته الدراسية في العامين الماضيين تأخراً واضحاً في العمليات الحسابية كالجمع و الطرح ، وقليلاً من الصعوبات اللغوية المتعلقة بمهارات القراءة .. وذلك بالرغم من محاولات معلمة الفصل التغلب على مشكلاته الدراسية ، من خلال إبقائه في المقعد الأمامي ، مما يتيح لها القرب منه باستمرارٍ ، إضافةً إلى ما أعطته له من مجسماتٍ للحروف و الأرقام ، بحيث تساعده على نسخها و تعلمها.

وقد أضاف والدا الطفل: أنه يفقد الكثير من أشيائه ، فضلاً عن كونه غير منظمٍ وغير هادئٍ ، لا سيما وقت تناول الطعام ، كما يجد صعوبةً معتادةً في أداء الواجبات المنزلية ، ويفقد تركيزه سريعاً أثناء اللعب أيضاً.

تم عرض طارقٍ على الفحص الإكلينيكي والنفسي ، واختبار ويكسلر للذكاء، وبطاريات ” وود كوك – جونسون ” لصعوبات التعلم والصعوبات اللغوية ، ومقياس ” كونر ” لاختبار فرط الحركة ونقص الانتباه .
وقد تبين بعد إجراء هذه الفحوص ، أن معدل ذكائه يقع في المرحلة ما بين المتوسطة إلى المرتفعة .
كما أظهرت الفحوص معدل أداءٍ ضعيفٍ نسبياً فيما يتعلق باختبارات الحس اللغوي وفهم منطوق الكلام.

أظهرت الفحوص كذلك وجود خللٍ في بعض مهارات الإرسال و الاستقبال اللغوية، وضعفاً في القدرات الحسابية، بشكلٍ لا يتناسب مع المرحلة التعليمية التي يمر بها . كما كانت درجاته على مقياس ” كونر ” للطفل والوالدين مرتفعةً .. مما أكد تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ( الذي اعتبره من النوع غير المنتبه ) ، بالإضافة إلى معاناته من عسر القراءة واضطراب العمليات الحسابية .

بعد التدخل العلاجي الدوائي والنفسي والتأهيلي للطفل ( مدة عامٍ) لاحظ الأبوان تحسناً ملحوظاً فيما يتعلق بنقص الانتباه والتركيز .
إلا أنهما لم يلحظا تحسناً مناسباً فيما يتعلق باضطراب صعوبة القراءة أو العمليات الحسابية .
وبإضافة برامج تأهيلٍ و علاجٍ للصعوبات التعليمية التي يعاني منها طارقٌ ، مع المتابعة المستمرة (لمدة عامين) ، لوحظ تحسن طارقٍ ، لا سيما بعد إقامة علاقةٍ مميزةٍ مع معلمه الجديد ، الذي ساعده على اتباع استراتيجياتٍ جديدةٍ للتغلب على المشكلة الدراسية ، والقضاء على قلقه من المواد الدراسية التي مثلت عائقاً أمامه في الماضي .

د. محمد الشيخ.

التعليقات

تعليقات