من المهم جداً – عندما نقرأ التاريخ أو ننظر إلى الواقع – ألا تبهرنا الإنجازات الضخمة التي حققتها البشرية في عمارة الأرض، ومازالت تتنافس نحو المزيد منها..

بل ينبغي أن نقيس ذلك كله على تحقيق الغاية من الخلق، فما كان مساعداً للإنسان على عبادة ربه فهو الأمر الجدير بالاهتمام، وما شغله عن ذلك فلا قيمة له وإن كان ما كان…!

لماذا ؟!

لأنه يوماً ما سينتهي كل شيء..

هذه هي الحقيقة!

ستُحمل الأرض والجبال فيُدكّا دكةً واحدةً، ويُخسَف القمر فلا ينير بعد ذلك أبداً، وتنطفئ الشمس فلا تضيء بعد ذلك أبداً..

نعم، ستنهدّ بلا شك الأبراج المشيدة هنا وهناك، وتتحطم الأهرامات في مصر، وتنمحي الزخارف – القديمة والجديدة، الإسلامية والكافرة! – … كل شيءٍ سيصبح كأنْ لم يكن!!

فإذا نظرنا إلى تاريخنا وواقعنا وفق هذه الحقيقة سنجد أن هذه البشرية – التي تبدو ذكيةً وبارعةً في التعامل مع الأرض ومكوناتها – هي في حقيقتها بشريٌة حمقاء لم تحسن التعامل مع ربها، ونعمه وعطاياه، ورسائله وآياته.. حتى ضل أكثر الناس، واتبعوا أهواءهم، وخسروا أنفسهم في سبيل متعةٍ زائلةٍ زائفةٍ سرعان ما بددها الموت!

هذه القراءة للتاريخ من شأنها أن تملأنا خوفاً من أن نكون على خطى أكثر من سبقنا من البشر.. لاسيما أن الله عزّ وجل أخبرنا أنَّ المفلحين السابقين إلى الخير يقلّون كلما تأخّر الزّمان ..

{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)} [الواقعة: 10 – 14]

 وهذه الفتن المحيطة بنا من كل جانب تؤكّد هذا جداً..!

هذه القراءة للتاريخ من شأنها أن تجعلنا أكثر حرصاً على ما ينفعنا في أمر آخرتنا.. حذراً أن نقع فيما وقع السابقون.

يبقى ههنا خاطرٌ في النفس يقول: إننا مسلمون، آمنّا بالله وحده، وبالنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وبما أنزل الله عليه، ونجتهد في طاعته وامتثال أمره ونهيه، … فمالنا وللهالكين من البشر من قبلنا أو ممن حولنا؟! ولعلّ هذا الخاطر صحيح من جهة أنّه يحمّلنا مزيداً من المسؤولية تجاه سائر الناس الذين وُلِدوا بعيداً عن هذا الدين، أو عاشوا حياتهم لا يعلمون عنه شيئا، أو حالت ظروفهم عن الالتزام به…

لكن هل من الصواب أن نعتبر مجرد ولادتنا على الإسلام والتزامنا أحكامه الظاهرة كالصلاة والصيام والحجاب للنساء وترك المحرمات المعروفة كالخمر والزنا … شهادة ضمانٍ لنا بالجنة ونجاةً لنا من النار؟!

إننا جميعا نرجو رحمة الله وسعة عفوه، ونسأله سبحانه أن يتم علينا نعمته، ويرزقنا رضاه وجنته، ولكننا قد نظن مثلاً أن التوسع في عمارة الأرض وزينتها من الواجبات التي كلفنا الله بها، وقد نعمل لأجل رفعتنا الذاتية ومجدنا الشخصي، وقد نتسابق إلى الاستزادة من عبادات الجوارح وقلوبنا خاوية، وقد نميل إلى جانب من الدين نجد فيه أهواءنا ونبتعد عن آخر لا يروق لنا، وهكذا…

كل هذه الاحتمالات الواقعية ينبغي أن تدفعنا إلى مراجعة الكثير من مفاهيمنا عن الدين والحياة، وأن نقوِّم مشاعرنا وسلوكياتنا بعد ذلك على هذا الأساس، وأن نسأل الله دائماً النجاة من النار يوم القيامة، وأن نتذكر قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].

والله المستعان

إعداد : فريـــق ابن خلدون 

 

التعليقات

تعليقات